عرب وعالم

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 06:39 م بتوقيت اليمن ،،،

محمد الصالحين الهوني

السنوات الماضية أظهرت أن الشراكة بين السعودية والإمارات، على الرغم من قوتها، ليست بمنأى عن اختلاف الأولويات وتباين الحسابات. ففي اليمن، كما في بعض الملفات الاقتصادية والإقليمية، لم تتطابق المقاربات بينهما دائماً، وهو أمر لا يخرج عن طبيعة العلاقات بين الدول التي تمتلك مصالح واسعة وأدواراً متنامية. لكن المشكلة ليست في وجود الخلافات، بل في كيفية إدارتها: هل تتحول إلى منافسة تستنزف قدرات الطرفين وتمنح خصومهما فرصاً إضافية، أم تصبح مناسبة لإعادة تنظيم العلاقة على أسس أكثر وضوحاً، تحدد المصالح المشتركة وتترك مجالاً للاختلاف حيث لا تتعارض الأولويات الأساسية؟ هنا تحديداً تكمن قيمة التقارب، إذا نجح في نقل العلاقة من الاكتفاء بتسوية الأزمات إلى بناء قواعد مستدامة للتنسيق والتعاون.

المنطقة لا تمنح كثيراً من الوقت للتردد. التوترات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، واستمرار الأزمة اليمنية، ومخاطر استهداف الملاحة والبنية التحتية للطاقة، كلها تضع دول المنطقة أمام اختبار يتطلب قدراً عالياً من التنسيق السياسي والأمني. ولا يعني ذلك أن التحديات تفرض تطابقاً كاملاً في السياسات أو العودة بالضرورة إلى نموذج التحالف العسكري الذي عرفه البلدان في مراحل سابقة؛ بل إن المطلوب هو صيغة أكثر مرونة وواقعية، تسمح بتقاسم الأدوار وتبادل المعلومات وتنسيق المواقف، مع احترام خصوصية الحسابات الوطنية لكل طرف.

وفي الملف اليمني، تبدو الحاجة إلى هذا التنسيق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتهديد الذي تمثله جماعة الحوثيين لا يقتصر على موازين القوى داخل اليمن، بل يمتد إلى أمن السعودية والملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من انعكاسات على التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. وقد أعادت اللقاءات السعودية–الإماراتية، في ظل تصاعد المواجهات، ملف التعاون الأمني إلى واجهة الاهتمام. ففي 29 سبتمبر/أيلول، زار الشيخ منصور بن زايد آل نهيان الرياض والتقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومسؤولين سعوديين، قبل أن يلتقي وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي يوم أمس، حيث تناولت المباحثات التطورات الإقليمية وسبل تعزيز التعاون والعمل الخليجي المشترك.

وتكتسب هذه اللقاءات أهميتها من قدرتها على فتح الطريق أمام مقاربة عملية تعيد تنظيم الأدوار من دون اشتراط تطابق كامل في الرؤى. فالسعودية تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً وجغرافياً يجعل أمنها عاملاً أساسياً في استقرار شبه الجزيرة العربية، فيما راكمت الإمارات خبرات في بناء الشراكات الأمنية ودعم القوى المحلية وتطوير أدواتها اللوجستية والعسكرية. ويمكن لتكامل هذه القدرات أن يعزز قدرة الحكومة اليمنية والقوى المناهضة للحوثيين على حماية المناطق الحيوية والممرات البحرية، ويحد من فرص استغلال الانقسامات الداخلية.

والأهم أن أي تنسيق سعودي–إماراتي في اليمن لا ينبغي أن يُختزل في استعادة جبهة عسكرية أو في توزيع الأدوار على خطوط المواجهة. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها بناء دولة مستقرة، كما أن إضعاف الحوثيين لا يضمن تلقائياً تجاوز الخلافات بين القوى اليمنية الأخرى. ومن هنا، فإن القيمة الإستراتيجية للتقارب تكمن في الجمع بين دعم مؤسسات الدولة اليمنية، وتنسيق الجهود الأمنية، ومنع التنافس بين الحلفاء من التحول إلى صراع على النفوذ، مع إبقاء التسوية السياسية الشاملة هدفاً لا غنى عنه. إن نجاح الرياض وأبوظبي في إدارة تبايناتهما داخل الملف اليمني يمكن أن يبعث برسالة أوسع مفادها أن المصالح المشتركة قادرة على توفير إطار للتعاون حتى عندما تختلف التقديرات بشأن الوسائل والأولويات.

ويتجاوز أثر هذا التقارب حدود اليمن إلى أمن الخليج بأكمله. فالسعودية والإمارات ترتبطان بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية، ويؤثر استقرار إحداهما في بيئة الأخرى، سواء عبر حركة التجارة والطاقة أو عبر الثقة الإقليمية والدولية في قدرة دول الخليج على احتواء الأزمات. ومع تزايد المخاطر تصبح حماية البنية التحتية الحيوية وتبادل المعلومات وتنسيق الاستجابة للطوارئ عناصر أساسية في منظومة الأمن الجماعي. وقد أكدت الإمارات في بيانات رسمية سابقة تضامنها مع السعودية ورفضها ما يمس أمن المملكة وحرية الملاحة في الممرات الدولية.

ومن شأن ترسيخ هذا التنسيق أن يعزز أيضاً موقع مجلس التعاون الخليجي، لا بوصفه إطاراً بروتوكولياً للاجتماعات والبيانات، بل منصة قادرة على إنتاج مواقف عملية تجاه المخاطر المشتركة. فالتحديات الراهنة لا تقتصر على المواجهات العسكرية؛ إنها تشمل أمن المنشآت النفطية، وحماية الموانئ والمطارات، وتأمين سلاسل الإمداد.

لكن تحويل التقارب إلى مكسب استراتيجي مستدام يحتاج إلى ما هو أبعد من اللقاءات رفيعة المستوى. إنه يتطلب قنوات دائمة للحوار، وآليات واضحة لمعالجة الخلافات قبل تفاقمها، وتنسيقاً منتظماً في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح، إلى جانب قدر من الشفافية في إدارة المنافسة الاقتصادية. فالتنافس بين اقتصادات طموحة ليس مشكلة في ذاته؛ بل يمكن أن يكون حافزاً للابتكار والاستثمار إذا جرى ضمن قواعد مستقرة، لكنه قد يتحول إلى مصدر توتر إذا امتد إلى ملفات الأمن الإقليمي أو أضعف الثقة السياسية. والهدف الواقعي ليس إلغاء المنافسة بين الرياض وأبوظبي، بل ضمان ألا تتحول إلى خصومة، وأن تبقى الشراكة الإستراتيجية قادرة على استيعابها.

ولهذا، فإن الفرصة المتاحة اليوم تتمثل في بناء قواعد مؤسسية تجعل التعاون خياراً مستمراً، لا مجرد استجابة لظرف استثنائي؛ قواعد تربط الأمن بالتنمية، وتصل حماية الممرات البحرية بتطوير الاقتصاد، وتمنح العمل الخليجي المشترك مضموناً عملياً يشعر به المواطن والمستثمر والدولة الشريكة على حد سواء.

ليس مطلوباً من الرياض وأبوظبي أن تتطابقا في كل ملف، بل أن تتفقا على إدارة الاختلاف، وحماية المصالح الأساسية، ومنع الأزمات من تقويض ما راكمته العلاقة من روابط ومصالح. وإذا نجحتا في ذلك، فإن أثر التقارب لن يتوقف عند اليمن أو البحر الأحمر، بل سيمتد إلى الاستثمار والتنمية ومكانة الخليج في النظام الإقليمي والدولي.

الجبهة الإقليمية الأكثر صلابة لا تُبنى بمجرد جمع القدرات العسكرية، ولا بإصدار بيانات التضامن، وإنما بتأسيس الثقة وتحويلها إلى مؤسسات وسياسات ومصالح متشابكة. ومن هنا، فإن أفضل ما يمكن أن ينتج عن التقارب بين الرياض وأبوظبي هو الانتقال من إدارة الخلافات عند وقوعها إلى بناء شراكة تمنعها من التحول إلى أزمات.


• رئيس تحرير صحيفة العرب اللندنية