منوعات

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 12:36 م بتوقيت اليمن ،،،


شهدت منصات التواصل الاجتماعي في المملكة العربية السعودية تحولاً ملحوظاً في طريقة تعامل المستخدمين مع التطورات العسكرية الجارية. فبعد أشهر من الردود التي تركز على الرموز الوطنية والدعوات الدينية، باتت المنشورات تحمل طابعاً عسكرياً أكثر حدة، يعكس تصاعد الإحساس بالتهديد المباشر بعد سلسلة الهجمات التي نفذتها مليشيات الحوثي على أراضي المملكة.

وخلال الأشهر الستة الأولى من التصعيد الإقليمي، الذي ارتبط بهجمات إيرانية وحليفتها الحوثية، غلب على التفاعلات الشعبية نشر صور العلم السعودي وصور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب أدعية للوطن والحفاظ على الأمن. كانت اللغة هادئة نسبياً، تركز على الصمود والثقة بالقيادة. أما الآن، وبعد ضربات الحوثيين التي طالت منشآت ومطارات، بما في ذلك الهجوم على مطار الملك خالد في الرياض، فقد امتلأت الحسابات الشخصية والمجموعات بصور الجنود وهم يحيون العلم، أو يقرأون القرآن بجوار منصات الصواريخ، ومقاطع فيديو تبرز الجاهزية العسكرية.

ويصف مراقبون هذا التحول بأنه انتقال من التضامن الرمزي إلى خطاب دفاعي عسكري. ظهرت منشورات تدعو المواطنين إلى الدفاع عن الوطن، وتحذر من "الخونة" الذين قد يشككون في الولاء.

ويتكرر شعار رسمي على نطاق واسع مفاده أن "لا خوف في قاموس السعودية"، في إشارة إلى الثقة المطلقة بالقدرة على الردع. كما تحول إطار النقاش من اعتبار الصراع امتداداً لمواجهة أميركية-إيرانية إلى كونه حرباً تخص المملكة مباشرة، وتستدعي تعبئة شعبية رقمية موازية للجهود الميدانية.

وساهمت البيانات الرسمية في تعزيز هذا الاتجاه. يصدر المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، بيانات متلاحقة عن اعتراض المسيرات والصواريخ الباليستية والمجروحة، ما يغذي المنشورات بصور الانتصارات الدفاعية.
في المقابل، حذرت وزارة الداخلية من تصوير أو نشر مشاهد الاعتراض ومواقع السقوط، معتبرة ذلك مساساً بالأمن الوطني ويعرض المخالفين للمساءلة القانونية.

ويعكس هذا التوازن بين الشفافية المحدودة والحاجة إلى الحفاظ على الروح المعنوية دون تسريب معلومات قد تفيد الخصم.
ويأتي هذا التحول في سياق تصعيد عسكري بدأ يتغلغل في الحياة اليومية. أسفرت هجمات الحوثيين عن خسائر بشرية، بما في ذلك مدنيون ومقيمون، وتعطيل جزئي للأنشطة مثل التحول إلى التعليم عن بعد في بعض المناطق.
وتحولت أسماء الضحايا، مثل الطيارين أو العاملين في المطارات، إلى رموز وطنية تُتداول على نطاق واسع، مصحوبة بدعوات للتبرع بالدم والتعبير عن التضامن.
في الوقت نفسه، ظهرت أصوات محدودة تعبر عن القلق من طول أمد الصراع، أو التفكير في خيارات شخصية، لكن الخطاب السائد يغلب عليه التماسك الوطني.

وتلعب الأجيال الشابة دوراً بارزاً في هذا المشهد. على الرغم من أن بعض الحسابات التي توصف بأنها "ليبرالية نسبياً" أو موجهة لجيل زد، إلا أنها انخرطت في نشر المحتوى العسكري، مما يشير إلى اتساع القاعدة الشعبية لهذا الخطاب.

الهاشتاغات مثل "جنودنا عز الوطن" أو "الوطن خط أحمر" تنتشر بسرعة، مدعومة بفيديوهات وتعديلات بصرية تجمع بين الرموز الدينية والعسكرية. يعكس ذلك قدرة المنصات الرقمية على تحويل الغضب والقلق إلى طاقة تعبئة معنوية.

وليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها السعوديون إلى التواصل الاجتماعي كساحة دعم للجيش. خلال عملية عاصفة الحزم، انتشرت هاشتاغات مثل "كلنا الجيش السعودي البطل". لكن الطابع الحالي أكثر حدة، مرتبطاً بوصول التهديد إلى العاصمة والمدن الكبرى، لا الحدود الجنوبية فحسب. كما يتزامن مع تطورات إقليمية أوسع، مثل تفعيل آليات دفاعية جماعية ضمن "حلف مكة" مع تركيا وباكستان، وتصريحات داعمة من دول شقيقة مثل مصر، التي لاقت ترحيباً واسعاً على المنصات السعودية.

ويحمل هذا الخطاب أبعاداً مزدوجة. من جهة، يعزز الوحدة الوطنية ويرفع الروح المعنوية في مواجهة هجمات متكررة بالمسيرات والصواريخ. ومن جهة أخرى، يثير تساؤلات حول كيفية إدارة المعلومات في زمن الحرب الرقمية، حيث يمكن للمنشورات أن تتحول إلى أدوات ضغط أو مصدر للمعلومات الاستخباراتية إذا لم تُضبط.

وتؤكد الجهات الرسمية على ضرورة الالتزام بالتعليمات الأمنية، بينما يستمر المستخدمون في التعبير عن الفخر بالقوات المسلحة والدفاعات الجوية التي تعترض معظم التهديدات.

وتظهر المنشورات أن الحرب لم تعد بعيدة. مناقشات المجموعات على واتساب والمنشورات العامة تتناول تأثيرها على الحياة اليومية، من السفر إلى العمل، إلى جانب الدعاء المستمر للجنود. ومع ذلك، يبقى الثقة بالقيادة مرتفعة في الغالبية العظمى من التعليقات، مع التركيز على أن المملكة خرجت من أزمات سابقة أقوى.

ويبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التطورات. فمع استمرار الهجمات والردود العسكرية، من المرجح أن يستمر الطابع العسكري في الخطاب الرقمي، خاصة إذا تصاعدت العمليات أو امتدت.

وتؤكد الاستجابة الحالية أن مواقع التواصل لم تعد مجرد مساحة للتعبير العاطفي، بل أصبحت امتداداً رقمياً للجبهة الداخلية، حيث يتحول المواطن إلى "جندي إلكتروني" يدافع عن الرواية الوطنية والصورة المعنوية للبلاد.