منوعات

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 10:47 ص بتوقيت اليمن ،،،


في سجل الرياضة والإعلام العدني، تبرز أسماء لم تكتفِ بصناعة حضورها في الملاعب، بل أسهمت في توثيق تاريخها ونقل حكاياتها إلى الأجيال، ومن بين هذه الأسماء الإعلامي والصحفي والمعلّق الرياضي جعفر محمد مرشد، المعروف بـ«أبو محمد»، الذي جمع بين موهبة لاعب كرة القدم وشغف الصحافة، وأصبح أحد أبرز رواد الإعلام الرياضي في عدن خلال مرحلة ازدهارها.

وُلد جعفر مرشد في 9 يوليو 1937م، في حافة حسين بمنطقة كريتر، مدينة عدن. ومنذ طفولته ارتبط بكرة القدم، فمارسها في حارته وحواري كريتر، وأظهر موهبة لافتة بين أقرانه، قبل أن تتحول هذه الموهبة إلى مسيرة رياضية وإعلامية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

من مدرسة بازرعة إلى نادي الأحرار

التحق جعفر مرشد بمدرسة بازرعة عام 1944م، وشارك في منتخبها المدرسي، مواصلًا شغفه بكرة القدم. وفي عام 1954م، انضم إلى نادي الأحرار الرياضي في كريتر، الذي أصبح لاحقًا نادي التلال، كما التحق بالنادي شقيقه الأكبر عبدالمجيد مرشد، الذي عُرف بتميزه في حراسة المرمى.

لعب جعفر في مركز الهجوم، وكان من اللاعبين الذين تميزوا بقوة التسديد ودقة التصويب، واشتهر بتنفيذ ضربات الجزاء والكرات الثابتة من أمام منطقة الجزاء، وسجل عددًا من أهدافه مع نادي الأحرار ومنتخب عدن عبر التسديد من خارج منطقة الجزاء والكرات الثابتة.

وجاءت تجربته ضمن جيل كروي مميز ضم أسماء لامعة في تاريخ النادي والكرة العدنية، من بينهم عباس غلام، وناصر الماس، وعلي السوداني، وأبوبكر طرموم، وأحمد صالح موشجي، وعلي الماس، وإبراهيم تمباكو، ومحمد مثنى الضالعي، وسالم الغراب، وإبراهيم علي أحمد، وعبدالله علي حسن، وتوفيق سعيد، ويسلم صالح، ومصطفى سكران، وعبدالله إبراهيم، ومحمود جامع، وحسين غلام المعروف بـ«زغاطيط»، ومحمد علي حبيشي، ومحمد غلام، وجميل قاسم، ومحسن يافعي، والحارسان فؤاد مكي ونديم حزام، وغيرهم من نجوم ذلك الزمن.

وكان جعفر مرشد جزءًا من مرحلة اتسمت بقوة المنافسة بين الأندية العدنية، وبحضور جماهيري واسع، حين كانت كرة القدم تمثل مساحة أساسية من حياة المدينة ووجدان أهلها.

في عام 1961م، ومع صدور قرار اللعب بالحذاء الرياضي، كان جعفر من بين لاعبي نادي الأحرار الذين ارتدوا الحذاء بعد مرحلة اللعب حفاة.

الصحافة الرياضية.. شغف بدأ من المطابع

لم يكن جعفر مرشد لاعبًا فحسب؛ فقد كان شغوفًا بالصحافة، وساعده عمله في مطابع الصحف على الاقتراب من عالم الكتابة والنشر، وفي عام 1954م بدأ الكتابة في الصحف الصادرة في عدن، وأسهم في تطوير الصفحات الرياضية، والاهتمام بتوثيق أخبار المباريات والفرق واللاعبين.

ومن أبرز ما يُنسب إلى تجربته المبكرة إدخال الصور الرياضية إلى الصحف العدنية، واستيراد قوالب الطباعة الخاصة بالصور من الهند ومصر، في خطوة ساعدت على تطوير العرض الصحفي للمادة الرياضية في ذلك الوقت.

وقد تميزت كتاباته بالاتصال المباشر بالملاعب واللاعبين؛ فهو لاعب يعرف طبيعة المنافسة من داخل الملعب، وصحفي يدرك أهمية تسجيل النتائج والأحداث وتوثيق أسماء النجوم. وهكذا جمع بين الممارسة الرياضية والعمل الصحفي، وأسهم في بناء ملامح مبكرة للصحافة الرياضية في عدن.

كما عمل مراسلًا رياضيًا لإذاعة لندن من عدن، وهي تجربة وسعت نطاق عمله الإعلامي، وربطت تغطيته الرياضية بمؤسسات إعلامية خارج المدينة.

إذاعة عدن.. حين أصبح صوتًا للملاعب

مثلت إذاعة عدن محطة مفصلية في حياة جعفر مرشد. فقد تأسست «محطة عدن للإذاعة» في 7 أغسطس 1954م، وكانت من المحطات الإذاعية المبكرة في المنطقة، وبثت برامجها من مدينة التواهي على فترتين صباحية ومسائية.

ومع انطلاق الإذاعة، ارتبط اسم جعفر مرشد بالعمل الرياضي عبر برنامج «ركن الرياضة»، الذي أعده وقدمه، وأصبح من البرامج التي تابعها عشاق كرة القدم في عدن.

وتذكر الروايات المرتبطة بسيرته أن مقدمة البرنامج ارتبطت بأغنية «جيب الجول» للفنانة هيام يونس، وأن جعفر مرشد أجرى عليها مونتاجًا أضاف إليه صوت الصافرة والتصفيق، وإهداء الأغنية إلى الفنان أبوبكر بلفقيه، في إطار صداقتهما واهتمامهما بالموسيقى.

وكان مرشد يتابع المباريات من الملعب، ويدوّن تفاصيلها، ثم يغادر مسرعًا عقب انتهائها حاملًا أوراقه، متوجهًا إلى مقر الإذاعة في التواهي لتقديم تعليقه وتقريره الرياضي على الهواء، وقد جسدت هذه الممارسة طبيعة العمل الإعلامي في ذلك الزمن، حين كان المعلّق يعتمد على حضوره الشخصي وملاحظاته وسرعة انتقاله لنقل أحداث المباراة إلى المستمعين.

فهو من أوائل المعلقين الرياضيين في عدن، ومن أبرز الأصوات التي أسهمت في تأسيس تقاليد التعليق الرياضي الإذاعي في المدينة، كما سبقه حسين الصافي في التعليق على المباريات المحلية، قبل أن يتولى جعفر مرشد هذه المهمة ويمنحها حضورًا واسعًا لدى جمهور الرياضة.

تلفزيون عدن.. «مجلة الرياضة» وبداية مرحلة جديدة

مع افتتاح تلفزيون عدن عام 1964م، انتقل الإعلام الرياضي إلى الشاشة، وكان جعفر مرشد من الأسماء التي أسهمت في تقديم البرامج الرياضية خلال البدايات.

عُرض عليه إعداد وتقديم برنامج رياضي تلفزيوني، لكنه اختار التفرغ للإعلام الرياضي والتخلي عن مواصلة اللعب مع نادي الأحرار، حتى يتمكن من تقديم تغطية محايدة لأندية عدن، وكان القرار صعبًا على لاعب ارتبط بكرة القدم منذ طفولته، لكنه اختار أن يواصل خدمتها من موقع آخر.

وفي عام 1964م، ترك اللعب مع نادي الأحرار وهو في قمة عطائه، متجهًا إلى الصحافة والإذاعة والتلفزيون. وأعدّ وقدّم برنامج «مجلة الرياضة»، الذي تذكره مواد توثيقية ضمن البرامج الرياضية المبكرة في تلفزيون عدن.

وبهذا التحول، انتقل مرشد من المنافسة داخل الملعب إلى نقل تفاصيلها للجمهور، مستفيدًا من خبرته لاعبًا وصحفيًا ومتابعًا للمشهد الرياضي، وقد أسهمت تجربته في الإذاعة والتلفزيون في تعزيز حضور الرياضة في الحياة اليومية للعدنيين، وفي حفظ جانب من تاريخ الأندية واللاعبين.

رحلة منتخب عدن إلى مصر عام 1964م

في نوفمبر 1964م، رافق جعفر مرشد منتخب عدن إلى مصر بصفته صحفيًا رياضيًا، ضمن رحلة تضمنت مباريات عدة، كان أبرزها لقاء فريق الإسماعيلي المصري.

حيث خسر منتخب عدن أمام الإسماعيلي بنتيجة 5–0، ثم أمام منتخب دمنهور بنتيجة 2–0، وخسر كذلك أمام منتخب الطيران، لكنه تمكن لاحقًا من تحقيق فوز على منتخب أسوان بنتيجة 6–4، قبل أن يختتم مبارياته بالفوز على منتخب الفيوم 4–0.

ولم تكن مشاركة مرشد مقتصرة على مرافقة المنتخب؛ فقد تابع أخبار المباريات، وغطى أحداث الرحلة، وأجرى مقابلات مع شخصيات رياضية، موثقًا تجربة مهمة في تاريخ التواصل الرياضي بين عدن ومصر.

وفي عام 1970م، شارك كذلك في مرافقة نادي الشباب الرياضي خلال زيارته إلى مصر لإقامة مباريات ودية، وتولى تغطية أخبار المباريات وإجراء المقابلات، استمرارًا لدوره في متابعة الفرق العدنية وتوثيق نشاطها خارج المدينة.

ذاكرة الكرة العدنية ورؤيته لمستقبلها

عاصر جعفر مرشد جيلًا من اللاعبين الذين تركوا بصماتهم في تاريخ كرة القدم العدنية، وكان يرى أن تلك المرحلة امتازت بوفرة المواهب وقوة المنافسة بين الأندية، وأن الانتماء إلى الفريق وحب اللعبة كانا حافزًا أساسيًا للاعبين.

وفي حديثه عن نجوم ذلك الزمن، استحضر أسماء مثل علي محسن المريسي وسعيد دعالة وعلي الصيني، كما أشاد بموهبة اللاعب القديم محفوظ مكاوي، الذي رأى أنه امتلك مهارات استثنائية.

ولم تقتصر رؤيته على استعادة الذكريات؛ فقد أكد في أحاديث أن النهوض بكرة القدم يتطلب الاهتمام بالأندية، وتوفير البنية التحتية المناسبة لمختلف الألعاب، وإعداد المدربين المؤهلين للفئات العمرية. وهي أفكار تعكس خبرة رجل عرف الرياضة لاعبًا وإعلاميًا، وعايش تحولات مؤسساتها عبر عقود.

عاشق للأغنية العدنية وذاكرة الفن

إلى جانب الرياضة، امتلك جعفر مرشد شغفًا خاصًا بالموسيقى والغناء العدني، واهتم بجمع التسجيلات النادرة وتوثيق الأغاني، ولا سيما أعمال صديقه الفنان أحمد قاسم، إلى جانب أعمال عدد من كبار الفنانين في عدن.

فقد جمع مكتبة غنائية ثرية تضم تسجيلات نادرة، ما يكشف عن جانب ثقافي مهم في شخصيته، ويؤكد أن اهتمامه بالتوثيق لم يكن محصورًا في الملاعب، بل امتد إلى الذاكرة الفنية للمدينة.

لقد كان يرى في الصور والتسجيلات والأغاني وسيلة لحفظ تفاصيل الزمن، وصون أعمال الفنانين الذين أسهموا في تشكيل الهوية الفنية والثقافية لعدن.

بطاقة الاتحاد اليمني للإعلام الرياضي

في 10 سبتمبر 1990م، عُقد الاجتماع الانتخابي الأول لإشهار الاتحاد اليمني للإعلام الرياضي في صنعاء، وتم مُنحه البطاقة رقم واحد للاتحاد، تقديرًا لدوره المبكر وإسهاماته في تطوير الإعلام الرياضي.

ويمثل هذا التكريم، اعترافًا بمكانته بين رواد الإعلام الرياضي، وبالمسيرة التي امتدت من الصحافة المطبوعة إلى الإذاعة والتلفزيون والتعليق على المباريات.

سنوات المرض والرحيل

استمر جعفر مرشد في الكتابة والعمل الإعلامي الرياضي لعقود، حتى تراجع بصره تدريجيًا، وفي عام 2007م، توقف عن الكتابة بعد أن فقد بصره.

وفي 20 يوليو 2014م، رحل جعفر محمد مرشد عن الدنيا، عن عمر ناهز السابعة والسبعين. وكان متزوجًا وأبًا لستة أبناء وبنت.

برحيله، فقدت عدن واحدًا من أبرز رواد إعلامها الرياضي، ممن قضوا أعمارهم في خدمة الرياضة لاعبًا وصحفيًا ومعدًّا ومقدمًا للبرامج ومعلّقًا رياضيًا، وقد ترك أثرًا يتجاوز نتائج المباريات وأسماء اللاعبين، ليشمل الذاكرة الإعلامية والثقافية للمدينة.

جعفر مرشد.. اسم باقٍ في ذاكرة عدن

إن استحضار سيرة جعفر محمد مرشد ليس مجرد استعادة لمسيرة لاعب سابق أو إعلامي مخضرم؛ بل هو استذكار لمرحلة مهمة من تاريخ عدن، حين صنعت الأندية والفرق الرياضية والإذاعة والصحافة والتلفزيون مشهدًا متكاملًا من الحياة العامة.

بدأ من حارة حسين في كريتر، ومرّ بنادي الأحرار ومنتخب عدن، ثم حمل قلمه وميكروفونه إلى الصحف والإذاعة والتلفزيون، وظل قريبًا من الملاعب وأهلها حتى حالت ظروفه الصحية دون مواصلة الكتابة.

لقد كتب جعفر مرشد اسمه في ذاكرة الرياضة العدنية لاعبًا وإعلاميًا ورائدًا في التعليق الرياضي، وأسهم في حفظ حكايات جيل من اللاعبين والأندية، وفي نقل تفاصيل زمن ما زال حاضرًا في وجدان محبي عدن.

رحم الله جعفر محمد مرشد «أبو محمد»، وأسكنه فسيح جناته، سيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة عدن، وفي تاريخ ملاعبها وإعلامها، كواحدًا من الرواد الذين جعلوا من الرياضة رسالةً، ومن الكلمة والصوت والصورة وسائل لحفظ تاريخ المدينة.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة