عرب وعالم

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - الساعة 12:50 م بتوقيت اليمن ،،،


تبدو المواجهة الأميركية الإيرانية أمام مرحلة معلقة بين مسارين متناقضين: مفاوضات غير مباشرة تحاول الدوحة إبقاءها حية، وخيار عسكري لم تغلق واشنطن بابه، وسط تقديرات لمسؤولين أميركيين بأن الرئيس دونالد ترامب قد يأمر باستئناف العمليات العسكرية الواسعة بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.

ولا يعني ذلك أن إدارة ترامب اتخذت قرارا بتجميد التصعيد إلى ما بعد الانتخابات، كما لا يثبت أن المسار الدبلوماسي الحالي صمم لهذا الغرض. لكن توقيت المفاوضات، إلى جانب ما نقلته «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين بشأن احتمال استئناف العمليات بعد الانتخابات، يضيف عاملا زمنيا إلى حسابات الحرب والتفاوض معا.

وتحاول واشنطن في الوقت الراهن إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحا، رغم اتساع الفجوة مع طهران. وقال ترامب إنه يتوقع استئناف المحادثات، بعدما رفض مقترحا إيرانيا سابقا لإنهاء الحرب، فيما تواصل قطر وساطتها بين الطرفين. وفي أحدث جولات الاتصالات، تلقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الرد الأميركي على خطة إيرانية من سبعة أيام تهدف إلى بناء الثقة وتهيئة الظروف لاستئناف التفاوض.

وتكشف طبيعة الخلاف عن صعوبة الوصول إلى تسوية سريعة. فطهران تركز على إنهاء الحصار البحري وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما تطالب واشنطن بتنازلات تتصل بالبرنامج النووي. ووفقا لتقارير عن المفاوضات، لا يقتصر الخلاف على مضمون التسوية، بل يمتد إلى ترتيب تنفيذ الخطوات، وهو ما يعكس استمرار انعدام الثقة بين الطرفين.

ومن هنا تبدو التهدئة الحالية أقرب إلى مساحة لاختبار إمكانات التفاوض منها إلى تسوية مستقرة. فترامب سبق أن قال إن وقف الضربات أو تعليقها مرتبط بمنح الدبلوماسية فرصة، لكنه أبقى في الوقت نفسه على خيار العودة إلى عمل عسكري أقوى إذا فشلت المفاوضات. وفي سبتمبر، تحدث الرئيس الأميركي عن اقترابه من قرار بشأن استئناف هجمات واسعة لإنهاء الحرب.

ويضيف عامل الانتخابات طبقة أخرى إلى المشهد. فانتخابات التجديد النصفي الأميركية ستجرى في الثالث من نوفمبر، في وقت أصبحت فيه الحرب مع إيران مرتبطة مباشرة بملفات داخلية، خصوصا أسعار الوقود وتكاليف المعيشة. وأظهر استطلاع أجرته رويترز/إبسوس في سبتمبر تراجع تأييد ترامب إلى 32 في المئة، بينما قال 34 في المئة فقط من المشاركين إنهم يؤيدون الضربات الأميركية على إيران.

ولا يمكن، مع ذلك، تحويل هذه الأرقام إلى دليل على أن الانتخابات هي التي تحدد القرار العسكري. لكنها توضح أن الحرب لا تجري في فراغ سياسي داخلي، وأن استمرارها يفرض تكاليف على الإدارة الأميركية في توقيت حساس. فقد أشار تقرير لرويترز إلى أن ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالحرب بات يمثل عبئا سياسيا على ترامب قبل انتخابات نوفمبر.

وتحاول الإدارة في المقابل استخدام أدوات مختلفة لتخفيف الأثر الاقتصادي للحرب. فقد أعلنت واشنطن في 29 سبتمبر إتاحة قروض تصل إلى 40 مليون برميل من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، ضمن جهود دولية للتعامل مع اضطرابات إمدادات الطاقة الناتجة عن الحرب. لكن الاحتياطي الأميركي نفسه أصبح عند مستويات منخفضة تاريخيا بعد عمليات السحب السابقة.

وفي الجانب الدبلوماسي، يبدو أن واشنطن لا تزال ترى أن هناك مساحة لاختبار التسوية. فالوسطاء القطريون يواصلون اتصالاتهم، فيما يتوقع أن تتركز الجهود الجديدة على نسخة معدلة من المقترح الإيراني ذي الأيام السبعة. وتقول مصادر مطلعة على المحادثات إن النقاش بات يدور بصورة أكبر حول كيفية وتسلسل تنفيذ الخطوات، وهي نقطة يمكن أن تتيح للطرفين البحث عن صيغة وسط إذا توافرت الإرادة السياسية.

لكن استمرار المفاوضات لا يعني أن الخيار العسكري فقد مكانته. فالبيت الأبيض يصر على أن منع إيران من تطوير سلاح نووي يمثل هدفا أساسيا، بينما لا تظهر مؤشرات على استعداد طهران لتقديم التنازلات التي تطلبها واشنطن بسهولة. وفي الوقت نفسه، تبقى قضية مضيق هرمز، الذي يمثل ممرا حيويا لتجارة الطاقة العالمية، أحد أكثر الملفات حساسية في أي اتفاق محتمل.

وهكذا تتحرك واشنطن بين دبلوماسية تمنح الوقت وخيار عسكري يبقى على الطاولة. وإذا كانت تقديرات المسؤولين الأميركيين بشأن ما بعد الانتخابات دقيقة، فقد تكون الأسابيع المقبلة فترة اختبار لمحاولة التوصل إلى اتفاق قبل أن يصبح القرار العسكري أكثر حضورا في الحسابات الأميركية.

أما بالنسبة إلى طهران، فإن استمرار المفاوضات يوفر فرصة لتخفيف الضغوط وإعادة فتح مسار دبلوماسي، لكنه يحمل أيضا مخاطرة إطالة المفاوضات من دون ضمانات بأن التهدئة ستتحول إلى وقف دائم للعمليات. وبين المسارين، تبدو واشنطن أمام معادلة دقيقة: إما أن تنتج الاتصالات الحالية اختراقا يبرر استمرار المسار الدبلوماسي، أو أن يعود الخيار العسكري بقوة أكبر بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي.

لذلك، فإن السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى طاولة التفاوض، بل ما إذا كان الطرفان يستطيعان تحويل التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات قابلة للاستمرار قبل أن تضيق المساحة السياسية المتاحة أمام الدبلوماسية.