منوعات

الأحد - 30 أغسطس 2026 - الساعة 04:22 م بتوقيت اليمن ،،،


في سجل عدن الثقافي والتربوي، تظل أسماء قليلة قادرة على الجمع بين هيبة المعلم وجرأة الصحفي وروح المثقف، ويأتي الأستاذ عبده حسين أحمد في مقدمة هذه القامات التي صنعت حضورها بالعلم والقلم، فكان مربياً لأجيال، وكاتباً حمل هموم الناس بلغة ساخرة راقية، حتى أصبح عموده الشهير "كركر جمل" جزءاً من ذاكرة الصحافة العدنية.

وُلد عبده حسين أحمد في مدينة الشيخ عثمان بعدن في 28 يناير 1935م، ونشأ في بيئة عدنية زاخرة بالعلم والثقافة، بدأ تعليمه في كتّاب (معلامة) الفقيه محمد عثمان، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية عام 1945م، وتميز بتفوقه الدراسي الذي أهله لاختصار عام دراسي، ليواصل تعليمه في مدارس عدن، وينهي المرحلة الثانوية عام 1954م من كلية عدن، التي كانت آنذاك من أبرز الصروح التعليمية في الجزيرة العربية.

بعد تخرجه، التحق بسلك التربية والتعليم عام 1954م، وبدأ حياته معلماً في المدارس الابتدائية، ثم انتقل إلى المراحل الإعدادية والثانوية، حيث عُرف بكفاءته العلمية وشغفه باللغة العربية. كما واصل تطوير نفسه علمياً، فحصل على دبلوم معهد التربية في عدن، ثم ابتُعث إلى السودان للدراسة في كلية المعلمين ببخت الرضا، حيث نال دبلوماً عالياً في اللغة العربية وطرق تدريسها، وكان الأول على دفعته.

عاد إلى عدن حاملاً خبرة تربوية واسعة، فعمل مدرساً في عدد من المؤسسات التعليمية، من بينها ثانوية خورمكسر وكلية عدن، ثم تقلد مواقع قيادية في قطاع التربية، منها رئيس شعبة اللغة العربية في مكتب التوجيه الفني، والموجه الأول للمادة في عدن، ومدير بالوكالة لتدريب المعلمين والمعلمات، ورئيس شعبة اللغة العربية في مركز البحوث التربوية، ومحاضراً في دورات تأهيل المعلمين.

أسهم عبده حسين أحمد في تطوير التعليم والمناهج، وشارك في إعداد الكتب الدراسية للمدارس الموحدة والثانويات، ووضع مناهج اللغة العربية للمرحلة الموحدة، كما ألّف كتاباً في طرق تدريس اللغة العربية لمعاهد إعداد المعلمين، وشارك في تأليف كتاب للقراءة والكتابة لطلاب السنة الأولى من غير الناطقين بالعربية في كينيا.

امتد عطاؤه التربوي خارج الوطن، حيث ترأس البعثة التعليمية اليمنية في كينيا خلال الفترة من 1981م حتى 1988م، وأسهم في تدريب أبناء الجالية اليمنية هناك، ثم تولى بعد الوحدة إدارة المنظمات العربية والدولية في وزارة التربية والتعليم.

ولم يكن عبده حسين معلماً فقط، بل كان صاحب مشروع ثقافي وصحفي. بدأت علاقته بالصحافة عام 1956م عندما نشر أولى محاولاته الأدبية في صحيفة "فتاة الجزيرة" لصاحبها الأستاذ محمد علي لقمان، الذي اكتشف موهبته واحتضن قلمه، ثم أصبح من المقربين إليه وتعلم على يديه فنون كتابة المقال والخبر بأسلوب بسيط وقريب من القارئ.

كتب في عدد من الصحف العدنية، منها "الزمان" و"اليقظة" و"فتاة شمسان" و"الصباح"، كما شارك في تحرير مجلة "المعلم العدني" ومجلة "المعلم" التي كانت من المنابر الثقافية والتربوية المهمة في عدن، وكتب فيها إلى جانب نخبة من كبار الأدباء والمثقفين.

برز صوته الصحفي أكثر من خلال صحيفة "الأيام"، حيث ارتبط اسمه بالعمود الأسبوعي الشهير "كركر جمل" الذي واصل كتابته لأكثر من ثمانية عشر عاماً. وقد تميز العمود بالسخرية الذكية والنقد الاجتماعي البناء، فكان يضحك القارئ ويدفعه للتفكير في قضايا المجتمع، حتى أصبح من أشهر الأعمدة الصحفية في اليمن.

كما كانت له إسهامات فكرية أخرى من خلال كتاباته في عمود "الأظافر الطويلة" ومشاركاته في مجلة "اليمنية"، حيث جمع بين الثقافة الصحفية والقدرة على التحليل والتعبير بأسلوب رشيق.

شارك الأستاذ عبده حسين في عدد من المؤتمرات التربوية داخل الوطن وخارجه، من أبرزها المؤتمر التربوي العالمي في ألمانيا عام 1971م، وحصل على العديد من شهادات التقدير، كما كُرم بوسام 30 نوفمبر عام 1998م تقديراً لعطائه الوطني والتربوي، ونال عام 2002م شهادة تقديرية من الاتحاد العام للنقابات لدوره في رفع مستوى الوعي وبناء الإنسان.

وفي الجانب الاجتماعي، كان حاضراً في الأعمال الإنسانية، حيث شارك في مجلس أمناء مؤسسة النور الفريد التي اهتمت بدعم مرضى السرطان ومساندة الأسر المحتاجة خلال الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد.
تقاعد الأستاذ عبده حسين أحمد عام 1989م بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود من التعليم والعطاء، لكنه ظل حاضراً بقلمه ومكانته بين محبيه وزملائه وتلاميذه، حتى رحل عن الدنيا في 11 أكتوبر 2018م عن عمر ناهز 83 عاماً.

رحل الجسد وبقي الأثر؛ فعبده حسين أحمد لم يكن مجرد معلم أو صحفي، بل كان مؤسسة ثقافية متكاملة، حمل رسالة التربية بضمير المربي، ورسالة الصحافة بشجاعة الكاتب، وترك لعدن إرثاً من المعرفة والكلمة الصادقة.
#دليل_عدن_السياحي