منوعات

الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - الساعة 06:25 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


اجتاحت مصر، في الأيام القليلة الماضية، موجة من القلق العام والغضب الشعبي بسبب ظاهرة تسجيل شرائح الهاتف المحمول (الخطوط) ببيانات الرقم القومي لمواطنين دون علمهم أو حيازتهم الفعلية لها.

وتحولت هذه الثغرة القديمة نسبياً إلى أزمة وطنية بعد اكتشاف آلاف الحالات عبر تطبيق "ماي نترا" التابع للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (نترا)، وما تبعها من إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة.

وبدأت الأزمة تتصدر المشهد العام بعد التصديق على حكم غيابي بالسجن المؤبد (25 عاماً) بحق الطالب عمرو عمارة، البالغ من العمر 19 عاماً، طالب كلية الحاسبات والمعلومات بجامعة الزقازيق، من مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية. ارتبط اسمه بقضية تهريب مواد مخدرة عبر شحنة بصل، بسبب ظهور رقم هاتف محمول مسجل باسمه ضمن التحقيقات.

وفقاً لروايته وأسرته، كان قد استخرج الخط قبل نحو عامين بناءً على طلب شقيقة أحد أصدقائه، التي تعمل في مجال بيع خطوط الاتصالات، لمساعدتها في تحقيق "التارجت" (المستهدف البيعي). لم يكن الخط في حيازته، ولم يستخدمه، بل انتقل إلى أشخاص آخرين. فوجئ لاحقاً بالحكم الغيابي، وسلم نفسه، بينما أكدت أسرته عدم علمه بأي نشاط إجرامي. أثارت القضية تعاطفاً واسعاً، وأعادت فتح ملف "الشرائح المجهولة" أو "الخطوط المسجلة دون حيازة".

وتصاعدت الشكاوى بعدما أعاد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إتاحة خدمة "أرقامي"عبر تطبيق"ماي نترا"، مع إصلاح تقني مؤقت يخفي بعض أرقام الخطوط. اكتشف مواطنون وجود خطوط متعددة مسجلة بأرقامهم القومية لدى شركات مختلفة (فودافون، أورنج، إي آند/اتصالات، وي)، بعضها يصل إلى 10 أو 16 خطاً في حالات فردية، دون أن يستخرجوها أو يعرفوا مستخدميها.

أثارت هذه الاكتشافات حالة ذعر، خاصة مع اقتراب تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي يعتمد على الرقم القومي والأرقام المسجلة في الإعلانات القضائية. خشي المواطنون من تورطهم في جرائم نصب أو ابتزاز أو تجارة مخدرات أو حتى مسائل مالية مرتبطة بمحافظ إلكترونية، لمجرد أن بياناتهم استُخدمت.

ووفقاً لتقارير صحفية، يعود انتشار هذه الشرائح إلى سعي موظفي المبيعات والوكلاء لتحقيق المستهدفات البيعية (التارجت) المفروضة عليهم. في ظل إلزام الشركات بتسجيل كل شريحة بالبطاقة الشخصية، لجأ البعض إلى استخدام بيانات مواطنين (أحياناً بموافقتهم الجزئية أو بدونها) أو استغلال أنظمة التسجيل للشركات والمؤسسات (القطاع الخاص والحكومي) لتفعيل خطوط بالجملة.

ساهمت ثغرات في التحقق من الهوية، وغياب آليات إشعار فوري للمواطن عند تسجيل خط جديد باسمه، في تفاقم المشكلة. كما أن بعض الخطوط القديمة المسجلة عبر أنظمة الشركات لم تُحدث عقودها بأسماء الحائزين الفعليين.

وكانت النتيجة بيانات شخصية مكشوفة، وهويات رقمية يمكن استغلالها في أنشطة غير مشروعة، مما يهدد الأمن السيبراني والخصوصية، خاصة مع الاعتماد المتزايد على الرسائل النصية في البنوك والخدمات الرقمية.

في 10 أغسطس 2026، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إحالة الشركات الأربع (فودافون، أورنج، إي آند، وي) إلى النيابة العامة للتحقيق في المخالفات المتعلقة بتسجيل خطوط ببيانات مواطنين دون علمهم أو حيازتهم. جاء ذلك بعد فحص الشكاوى الواردة خلال اليومين السابقين، واستكمال الأدلة والمستندات.

أقر الجهاز حزمة إجراءات تنظيمية عاجلة تشمل وقف بيع أو تفعيل أي خطوط جديدة عبر أنظمة الشركات للجهات والمؤسسات الخاصة والحكومية. وإلزام الشركات بإرسال رسائل نصية إلى الخطوط القديمة المسجلة، لإخطار الحائزين بضرورة التوجه إلى الفروع وإبرام عقود جديدة بأسماء الحائزين الفعليين، مع إلغاء الخطوط غير المحدثة خلال مهلة محددة. وتسريع إتاحة آليات التحقق البيومتري (بصمة الوجه وغيرها) عبر تطبيقات الشركات، بما يتوافق مع الهوية الرقمية الحكومية.

أكد الجهاز مراراً أن مجرد تسجيل الخط باسم شخص لا يرتب مسؤولية جنائية تلقائية عن الأفعال المرتكبة به، إذا ثبت عدم حيازته أو سيطرته الفعلية عليه. المسؤولية شخصية وتحددها التحقيقات. كما وجه المواطنين إلى تقديم شكاوى عبر الجهاز أو إبلاغ جهات التحقيق عند اكتشاف خطوط غير معروفة.

تكشف الأزمة عن فجوة بين التطور الرقمي السريع والضوابط التنظيمية. في عصر تعتمد فيه الخدمات المالية والقضائية على الأرقام المسجلة، يصبح تسجيل شريحة دون علم صاحبها بمثابة تسليم جزء من هويته لطرف ثالث. قد يؤدي ذلك إلى مشكلات في الإشعارات القضائية أو التحقيقات الجنائية أو حتى اتهامات بالكسب غير المشروع إذا ارتبطت الخطوط بمحافظ إلكترونية.

وأعادت القضية إحياء مخاوف قديمة حول بيع الشرائح على الأرصفة أو تسجيلها بأسماء وهمية، لكنها أظهرت أن المشكلة أعمق داخل المنظومة الرسمية للشركات. يطالب مراقبون بتشديد الرقابة على مندوبي المبيعات، وفرض عقوبات رادعة، وإطلاق نظام إشعارات فورية عند أي تسجيل جديد.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن الإجراءات الحالية خطوة إيجابية نحو إحكام المنظومة، خاصة مع التوجه نحو البصمة الحيوية. ومع ذلك، يبقى التحدي في التنفيذ السريع وحماية المواطنين الذين اكتشفوا خطوطاً غير معروفة، وفي ضمان عدم تكرار حالات مثل عمرو عمارة.

وينصح الجهاز من يكتشف خطوطاً مسجلة باسمه لا تخصه بالتوجه إلى فرع الشركة المعنية بأصل بطاقة الرقم القومي، وملء استمارة عدم الحيازة، والحصول على نسخة منها، مع تقديم شكوى رسمية إلى نترا عبر التطبيق أو القنوات الرسمية.