عرب وعالم

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 05:54 م بتوقيت اليمن ،،،

علي قاسم


لم تعد العلاقة المصرية ـ السعودية مجرد واحدة من أهم العلاقات الثنائية في العالم العربي، ولا يصح اختزالها في أرقام الاستثمارات أو المساعدات أو الزيارات المتبادلة بين المسؤولين. ما يجري بين القاهرة والرياض يتجاوز الحسابات الثنائية إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام الإقليمي العربي نفسه: هل تستطيع دولتان تملكان عناصر قوة مختلفة أن تتحولا من شريكين في إدارة الأزمات إلى مركز ثقل قادر على التأثير في مسار المنطقة؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في لحظة يبدو فيها الشرق الأوسط أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى قوى عربية قادرة على إنتاج التوازن، لا الاكتفاء بالتكيف مع اختلالاته. فالحرب في غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب الأمن الإقليمي، والحرب في السودان تهدد بتغيير معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، واليمن لا يزال مرتبطاً بأمن الملاحة والطاقة، فيما تبقى ليبيا عقدة مفتوحة في شمال أفريقيا والمتوسط. وفي الخليج، تتقاطع الحسابات الإيرانية والأميركية والتركية والإسرائيلية والدولية، بينما تتسع أدوار الصين وروسيا في منطقة لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لإدارة تفاصيلها كما فعلت في مراحل سابقة.

وسط هذه التحولات، لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا تريد مصر من السعودية، أو ماذا تريد السعودية من مصر؟ السؤال الأهم هو: ماذا يحتاج النظام الإقليمي العربي من القاهرة والرياض معاً؟

ربما تكمن الإجابة في إعادة تعريف مفهوم القوة العربية نفسه.

فمصر لا تحتاج إلى استعادة نموذج القيادة العربية الذي عرفته المنطقة في عقود سابقة، والسعودية لا تحتاج إلى أن تحمل وحدها عبء إدارة الأزمات الإقليمية. الزمن تغير، ومراكز القوة العربية أصبحت أكثر تعدداً، كما أن أدوات النفوذ لم تعد عسكرية أو سياسية فقط. الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية والدبلوماسية والقدرة على بناء الشراكات أصبحت جميعها عناصر في معادلة القوة.

ومن هنا تأتي أهمية اختلاف عناصر القوة المصرية والسعودية.

القاهرة تمتلك ثقلاً جغرافياً وديموغرافياً ومؤسسياً يصعب تجاوزه. فهي تقع عند تقاطع المشرق وشمال أفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وتمتلك حدوداً مباشرة مع عدد من أكثر بؤر الأزمات حساسية، إضافة إلى قوة عسكرية وخبرة دبلوماسية وتاريخ طويل من الحضور في النظام العربي. أما الرياض، فقد أعادت خلال السنوات الأخيرة تعريف أدوات قوتها. لم تعد المملكة تتحرك فقط باعتبارها القوة الخليجية الأكبر أو الدولة النفطية ذات الثقل العالمي، بل أصبحت توظف الاقتصاد والاستثمار والطاقة والدبلوماسية في بناء موقع دولي أكثر استقلالاً واتساعاً. وتحولت رؤية السعودية 2030 من مشروع اقتصادي إلى جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف مكانة المملكة.

وحين تجتمع هذه العناصر، تصبح العلاقة بين القاهرة والرياض أكثر من مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين في المصالح. تصبح إمكانية لبناء توازن عربي جديد.

لقد تغير الشرق الأوسط بصورة عميقة. بعض الدول العربية التقليدية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير بسبب الحروب والانقسامات الداخلية، بينما ملأت قوى إقليمية غير عربية أجزاء من الفراغ. إيران بنت نفوذاً واسعاً عبر شبكات سياسية وأمنية، وتركيا وسعت حضورها في المشرق وشمال أفريقيا، وإسرائيل تحاول إعادة صياغة موقعها الأمني والسياسي في المنطقة، فيما أعادت الصين وروسيا تعريف جزء من علاقاتهما بالشرق الأوسط.

المشكلة العربية، في المقابل، ليست غياب عناصر القوة، وإنما غياب آلية مستدامة لتحويل هذه العناصر إلى رؤية مشتركة.

وهنا يمكن أن تؤدي القاهرة والرياض دوراً مختلفاً عن فكرة “القيادة” التقليدية. فالنظام العربي لا يحتاج بالضرورة إلى عاصمة واحدة تقوده، بقدر ما يحتاج إلى مراكز قوة تتكامل أدوارها. وقد تكون مصر والسعودية قادرتين، إذا أحسنتا توظيف إمكاناتهما، على تشكيل أحد أهم هذه المراكز.

ويظهر ذلك بوضوح في البحر الأحمر.

هذا الممر لم يعد مجرد طريق للتجارة العالمية، بل تحول إلى مساحة تختلط فيها اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والملاحة. الحرب في اليمن، والتهديدات التي طالت السفن، والحرب في السودان، كلها جعلت البحر الأحمر جزءاً من الحسابات الأمنية المباشرة لمصر والسعودية.

بالنسبة إلى القاهرة، ترتبط أهمية البحر الأحمر بقناة السويس التي تمثل أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية وموقعها الجيوسياسي. وبالنسبة إلى الرياض، يمثل البحر الأحمر الواجهة الغربية للمملكة، والمجال الذي تتطور على امتداده مشروعات اقتصادية وسياحية وصناعية كبرى في إطار رؤية 2030.

وهذا يعني أن أمن البحر الأحمر ليس ملفاً خارجياً بالنسبة إلى البلدين. إنه جزء من الأمن الوطني لكليهما.

ومن هنا يمكن أن يبدأ تعاون مصري ـ سعودي أكثر طموحاً: ليس فقط حماية الملاحة، وإنما بناء تصور متكامل للأمن البحري يشمل الموانئ والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والأمن الرقمي والاستثمار، إلى جانب علاقات البلدين بدول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

لكن البحر الأحمر يقود بالضرورة إلى السودان.

الحرب السودانية ليست أزمة داخلية يمكن للمنطقة أن تراقبها من بعيد. فاستمرارها يهدد دولة عربية تقع في موقع بالغ الحساسية، ويفتح الباب أمام أزمات متداخلة في الأمن الغذائي والهجرة والاقتصاد والملاحة، كما يمنح القوى الخارجية فرصة لتثبيت نفوذها في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا حساسية.

مصر معنية بالسودان بحكم الجغرافيا والحدود والأمن المائي والروابط التاريخية، فيما تمتلك السعودية أدوات دبلوماسية وقدرة على التواصل مع أطراف إقليمية ودولية، فضلاً عن موقعها المباشر على البحر الأحمر. وإذا اجتمعت هذه العناصر في مقاربة واحدة، يمكن أن ينتقل الدور المصري ـ السعودي من إدارة تداعيات الحرب إلى محاولة التأثير في مستقبلها ومنع تحول السودان إلى دولة منهارة أو ساحة مفتوحة للتنافس الخارجي.

وفي غزة، تصبح أهمية هذا التنسيق أكثر وضوحاً.

القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف سياسي مستقل، بل أصبحت مرة أخرى أحد مفاتيح إعادة ترتيب المنطقة. الحرب كشفت أن محاولات بناء استقرار إقليمي يتجاوز القضية الفلسطينية لا يمكن أن تنتج استقراراً دائماً. فالأمن الذي يتجاهل جذور الصراع يظل أمنًا مؤقتاً، والاستقرار الذي يؤجل القضية الفلسطينية يعيد إنتاج أسباب الانفجار.

مصر تملك موقعاً لا يمكن تجاوزه بحكم اتصالها الجغرافي بغزة وخبرتها الطويلة في الوساطة وعلاقاتها مع الأطراف المختلفة. والسعودية تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً يسمح لها بتحويل المواقف العربية من مجرد ردود فعل إلى جزء من رؤية أوسع للتسوية وإعادة الإعمار ومستقبل المنطقة.

وهنا يمكن للقاهرة والرياض أن تقدما شيئاً يتجاوز إدارة الأزمة: رؤية عربية لليوم التالي.

الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على ليبيا. فاستقرار ليبيا يمثل بالنسبة إلى مصر قضية أمن قومي مباشرة بحكم الحدود، بينما يمثل بالنسبة إلى السعودية جزءاً من معادلة استقرار شمال أفريقيا والبحر المتوسط. والتنسيق بين البلدين في دعم المؤسسات الوطنية والحلول السياسية يمكن أن يساعد في منع ليبيا من التحول إلى ساحة إضافية للصراع الإقليمي والدولي.

لكن كل ذلك يطرح سؤالاً أكثر صعوبة: هل تستطيع القاهرة والرياض الانتقال من التنسيق إلى الإستراتيجية؟

فالتقارب السياسي، مهما كان مهماً، لا يكفي لبناء مركز ثقل إقليمي. والقمم والبيانات المشتركة ضرورية، لكنها لا تصنع وحدها قدرة استراتيجية. المطلوب هو بناء آليات مؤسسية دائمة للتنسيق في الأمن والاقتصاد والطاقة والاستثمار والأمن الغذائي والبحر الأحمر والدبلوماسية.

الأهم من ذلك أن يتحول التعاون من رد فعل على الأزمات إلى قدرة على استباقها.

فالمنطقة لا تحتاج إلى دولتين تصلان إلى الأزمة بعد وقوعها، وإنما إلى دولتين تستطيعان التأثير في شروط تشكلها. وهذا هو الفارق بين إدارة النظام الإقليمي وصناعة التوازن داخله.

هنا تحديداً يمكن أن تقدم مصر والسعودية نموذجاً جديداً للقوة العربية. ليس تحالفاً مغلقاً ضد أحد، ولا محاولة لإعادة إنتاج صراعات المحاور، وإنما شراكة مرنة تقوم على المصالح وتوزيع الأدوار. مصر ليست مطالبة بأن تعود إلى دور “القائد الأوحد”، والسعودية ليست مطالبة بأن تتحمل وحدها مسؤولية أمن الخليج والبحر الأحمر والمشرق. المطلوب أن تتكامل عناصر القوة.

وهذا التكامل يمكن أن يبدأ من الاقتصاد بقدر ما يبدأ من السياسة.

فالسعودية تمتلك قدرة استثمارية ضخمة، ومصر تمتلك سوقاً كبيرة وقاعدة بشرية وصناعية وموقعاً استراتيجياً. وإذا جرى ربط الاستثمارات السعودية بالقدرات الإنتاجية والبنية التحتية المصرية ضمن رؤية طويلة المدى، فإن العلاقة الاقتصادية يمكن أن تتحول من علاقة تمويل واستثمار إلى علاقة إنتاج وتكامل، بما يعزز قدرة البلدين معاً على مواجهة الصدمات الإقليمية والدولية.

وفي عالم تتحول فيه الطاقة والممرات البحرية والغذاء والتكنولوجيا إلى أدوات استراتيجية، فإن التكامل الاقتصادي لم يعد مسألة رفاهية. إنه جزء من الأمن القومي.

لذلك فإن السؤال عن عودة مصر إلى قلب المعادلة الإقليمية قد يكون مضللاً إذا فهم باعتباره عودة إلى الماضي. مصر لن تعود إلى الشرق الأوسط الذي كانت تقوده قبل عقود، لأن الشرق الأوسط نفسه لم يعد موجوداً. والسعودية أيضاً لا تتحرك في المنطقة وفق النموذج التقليدي للدولة الخليجية التي تركز على حماية حدودها وثروتها.

المنطقة الجديدة تحتاج إلى صيغة جديدة.

وهذه الصيغة قد تكون قائمة على مراكز قوة عربية متعددة، تتعاون دون أن تتطابق، وتنسق دون أن تلغي استقلالية قرارها، وتوزع الأدوار بدلاً من التنافس على لقب القيادة.

في هذه المعادلة، يمكن لمصر والسعودية أن تشكلا أحد أهم مراكز التوازن.

لكن النجاح لن يقاس بعدد الاتفاقيات أو الزيارات أو حجم الاستثمارات وحده. سيقاس بقدرة البلدين على إنتاج نتائج ملموسة: بحر أحمر أكثر أمناً، أزمات عربية أقل قابلية للانفجار، اقتصاد أكثر تكاملاً، موقف عربي أكثر تأثيراً في القضية الفلسطينية، وقدرة أكبر على منع الفراغات التي تتسلل منها القوى الخارجية.

وهنا ربما تكون الإجابة الأكثر دقة عن السؤال المركزي: هل تعود القاهرة إلى قلب المعادلة الإقليمية؟

نعم، ولكن ليس وحدها، وليس بالعودة إلى الماضي.

القاهرة تستطيع أن تعود إلى القلب إذا التقت جغرافيتها وثقلها السياسي والمؤسسي مع القدرة الاقتصادية والدبلوماسية السعودية. والرياض تستطيع أن توسع تأثيرها إذا وجدت في مصر شريكاً يمتلك عمقاً بشرياً وجغرافياً ومؤسسياً لا يمكن تعويضه.

المسألة في النهاية ليست من يقود ومن يتبع، بل من يستطيع أن يصنع التوازن.