منوعات

الخميس - 23 يوليو 2026 - الساعة 10:20 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


في صباح بدا عاديًا داخل أحد المراكز اللوجستية قرب مدينة ميلانو الإيطالية، لم يكن موظفو الجمارك يدركون أنهم على وشك كشف واحدة من أكبر شبكات تهريب الأدوية في أوروبا. مئات الطرود التي بدت للوهلة الأولى شحنات تجارية اعتيادية كانت تحمل أدوية تحمل أسماء شركات عالمية معروفة، وأرقام الدفعات (Batch Numbers) مطابقة للسجلات الرسمية، وعبوات يصعب تمييزها عن الأصلية. لكن الفحص المخبري كشف حقيقة مختلفة تمامًا؛ فالمحتوى لم يكن سوى خليط من مواد مجهولة، بعضها لا يحتوي على أي مادة فعالة، وبعضها الآخر يحتوي على جرعات خطيرة قد تتحول من علاج إلى سم بطيء.

لم تكن تلك الواقعة استثناءً، بل جزءًا من ظاهرة تتسع عامًا بعد آخر، حتى دفعت الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA) ويوروبول ومنظمة الصحة العالمية إلى التحذير من أن تجارة الأدوية المغشوشة لم تعد نشاطًا هامشيًا يقتصر على الأسواق الفقيرة أو الدول ذات الرقابة الضعيفة، بل أصبحت تحديًا مباشرًا لأكثر الأنظمة الصحية تقدمًا في العالم، مستفيدة من العولمة، والتجارة الإلكترونية، وسلاسل الإمداد العابرة للقارات، والثغرات التنظيمية التي يصعب سدها بالكامل.

ولسنوات طويلة، ساد اعتقاد بأن الأسواق الأوروبية محصنة ضد هذا النوع من الجرائم، بفضل منظومة رقابية دقيقة تشمل التصنيع والتوزيع والتتبع الإلكتروني للأدوية. غير أن الوقائع أثبتت أن صرامة التشريعات وحدها لا تكفي عندما تواجه شبكات إجرامية عابرة للحدود تمتلك قدرات مالية وتقنية تضاهي في بعض الأحيان قدرات الشركات الشرعية نفسها.

صناعة عالمية
لقد تغيرت طبيعة المشكلة جذريًا. ففي الماضي، كانت الأدوية المزيفة ترتبط غالبًا بمنتجات تُباع سرًا، مثل المنشطات الجنسية أو العقاقير المنشطة لبناء العضلات أو أدوية التخسيس. أما اليوم، فقد أصبحت تستهدف أدوية علاج السرطان، والسكري، وأمراض القلب، والمضادات الحيوية، والأدوية البيولوجية مرتفعة الثمن. وهذا التحول يجعل القضية أكثر خطورة، لأن الضحايا لم يعودوا يبحثون عن منتجات خارج النظام الصحي، بل هم مرضى يعتمدون على العلاج للبقاء على قيد الحياة.

وتحذر الوكالة الأوروبية للأدوية من أن التزييف لم يعد يقتصر على تقليد العبوة الخارجية، بل أصبح يشمل تزوير وثائق المنشأ، وأرقام التشغيلات، وسجلات النقل، وحتى الرموز الرقمية المستخدمة في أنظمة التتبع الحديثة. وبذلك لم تعد المشكلة مجرد تقليد لعلامة تجارية، بل محاولة لاختراق منظومة الثقة التي يقوم عليها القطاع الدوائي بأكمله.

وتكشف بيانات يوروبول أن الجريمة الدوائية أصبحت من أسرع الأنشطة الإجرامية نموًا داخل الاتحاد الأوروبي، مع توسع شبكات الإنتاج داخل أوروبا نفسها، بعد أن كانت تعتمد أساسًا على الاستيراد من آسيا أو أوروبا الشرقية. وهذا التطور يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الجريمة؛ فالمصانع السرية لم تعد بعيدة عن المستهلك، بل أصبحت أقرب إلى الأسواق التي تستهدفها، مستفيدة من سهولة الحركة داخل السوق الأوروبية الموحدة، ومن الفوارق التنظيمية بين الدول الأعضاء.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تجارة المنتجات الطبية المغشوشة وغير المطابقة للمواصفات أصبحت صناعة عالمية تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، مستفيدة من الطلب المتزايد على الأدوية، وارتفاع أسعار بعض العلاجات، والنقص الذي تشهده الأسواق خلال الأزمات الصحية.

لكن الأخطر من الخسائر الاقتصادية هو الثمن الصحي. فالدواء المغشوش لا يعني فقط غياب المادة الفعالة، بل قد يحتوي على جرعات خاطئة، أو شوائب سامة، أو مواد تسبب مقاومة للمضادات الحيوية، وهي إحدى أخطر المشكلات الصحية التي تواجه العالم اليوم. وفي حالات الأمراض المزمنة، قد يمر فشل العلاج أشهرًا قبل أن يكتشف الطبيب أن السبب ليس المرض نفسه، بل الدواء الذي يتناوله المريض.

ولذلك لم تعد الهيئات الصحية الأوروبية تنظر إلى الظاهرة باعتبارها قضية تجارية أو جنائية فحسب، بل أصبحت تصنفها ضمن التهديدات الأمنية العابرة للحدود. فالأدوية المزيفة تضعف الثقة في المؤسسات الصحية، وتستنزف ميزانيات التأمين، وتفرض أعباء إضافية على المستشفيات، وتخلق سوقًا سوداء تتداخل فيها الجريمة المنظمة مع غسيل الأموال والتهرب الضريبي والاحتيال الإلكتروني.

شركات وهمية
وقد كشفت عملية نسقتها يوروبول بالتعاون مع سلطات إنفاذ القانون والهيئات الصحية في عشرات الدول الأوروبية، عن حجم الظاهرة الحقيقي. فالحملة أسفرت عن ضبط أكثر من 3.4 مليون قرص دوائي مزيف، وآلاف العبوات والأجهزة الطبية غير المطابقة للمواصفات، إضافة إلى تفكيك شبكات توزيع كانت تستخدم الإنترنت ومنصات التجارة الإلكترونية للوصول مباشرة إلى المستهلكين.

وتعززت هذه الصورة في عام 2026 عندما أعلن عن تفكيك شبكة إجرامية دولية امتدت عملياتها عبر خمس عشرة دولة، وحققت معاملات غير مشروعة تجاوزت 240 مليون يورو من خلال تسويق أدوية ومكملات غذائية مزيفة استهدفت مرضى يعانون أمراضًا خطيرة. وأظهرت التحقيقات أن الشبكة استخدمت مزيجًا من المنصات الرقمية، والشركات الوهمية، وسلاسل النقل المعقدة لإخفاء مصدر المنتجات وإضفاء مظهر الشرعية عليها.

هذه الوقائع تؤكد أن أوروبا لم تعد تواجه حالات فردية من الغش الدوائي، بل منظومة إجرامية متكاملة تتكيف بسرعة مع التكنولوجيا والأسواق، وتستغل كل ثغرة في النظام التجاري العالمي. والأهم أنها تكشف أن مفهوم “الدواء الآمن” لم يعد مرتبطًا بالدولة التي يباع فيها، بل بالقدرة على مراقبة الرحلة الكاملة للمنتج، منذ المواد الخام وحتى وصوله إلى يد المريض.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا لا يتعلق فقط بكيفية دخول هذه المنتجات إلى الأسواق الأوروبية، بل بكيفية تمكنها من عبور واحدة من أكثر سلاسل الإمداد تعقيدًا ورقابة في العالم دون أن تُكتشف في الوقت المناسب. فمن أين تبدأ رحلة الدواء المغشوش؟ وكيف تتحول شبكة التوريد العالمية، التي يفترض أن تكون ضمانة للجودة، إلى نقطة ضعف تستغلها الجريمة المنظمة؟

سلاسل التوريد
إذا كان السؤال الأول هو: كيف وصلت الأدوية المغشوشة إلى أوروبا؟ فإن السؤال الأكثر تعقيدًا هو: كيف نجحت في عبور واحدة من أكثر المنظومات الرقابية صرامة في العالم؟

الإجابة لا تكمن في ضعف القوانين، بل في تعقيد سلاسل التوريد العالمية نفسها. فصناعة الدواء لم تعد عملية تبدأ في مصنع واحد وتنتهي في صيدلية واحدة، وإنما أصبحت شبكة دولية مترابطة، تتوزع حلقاتها بين عشرات الدول، حيث تُصنع المادة الفعالة في بلد، وتُنتج العبوات في بلد آخر، ويجري التغليف في دولة ثالثة، قبل أن تمر الشحنة عبر مراكز توزيع متعددة حتى تصل إلى المستهلك النهائي.

هذا التشابك الهائل خلق بيئة مثالية لتسلل المنتجات المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات.

اقتصاد عالمي معقد
تشير بيانات الوكالة الأوروبية للأدوية والاتحاد الأوروبي إلى أن نسبة كبيرة من المواد الخام الدوائية المستخدمة في أوروبا تُنتج خارج القارة، خصوصًا في الهند والصين، اللتين أصبحتا خلال العقدين الماضيين أكبر موردي المواد الفعالة للصناعة الدوائية العالمية.

ولا يعني ذلك أن هذه المنتجات غير آمنة بطبيعتها؛ فمعظمها يُنتج وفق معايير عالية، لكن طول سلسلة الإمداد يجعل الرقابة أكثر تعقيدًا، ويمنح المحتالين فرصًا عديدة للتدخل في مراحل مختلفة.

فقد يُستبدل المنتج أثناء التخزين، أو تُعاد تعبئته داخل مخازن وسيطة، أو تُغيَّر ملصقاته ووثائقه قبل دخوله إلى السوق الأوروبية.

ولهذا لم تعد عمليات الغش تقتصر على مصانع سرية تنتج أدوية مزيفة بالكامل، بل أصبحت تشمل أيضًا أدوية أصلية جرى تخزينها بطريقة خاطئة، أو انتهت صلاحيتها ثم أُعيد تدويرها، أو نُقلت في ظروف أفقدتها فعاليتها العلاجية.

وهنا تكمن الخطورة، لأن الدواء يبدو للمريض أصليا تماما، بينما يكون تأثيره الطبي مختلفا تماما.

التجارة الإلكترونية… الثغرة الأكبر
لكن أكبر تحول شهدته تجارة الأدوية خلال السنوات الأخيرة جاء مع الطفرة الرقمية.

فبعد جائحة كورونا، تضاعفت مبيعات الأدوية عبر الإنترنت بصورة غير مسبوقة، مستفيدة من تغير سلوك المستهلكين واعتمادهم المتزايد على الشراء الإلكتروني.

غير أن هذا التحول فتح الباب أيضًا أمام آلاف المواقع غير المرخصة التي تعرض أدوية بأسعار تقل كثيرًا عن الأسعار الرسمية، مستهدفة المرضى الباحثين عن علاج سريع أو أقل كلفة.

وتقدّر تقارير أوروبية أن نسبة كبيرة من المواقع الإلكترونية التي تبيع الأدوية لا تمتلك أي ترخيص صحي، بينما تستخدم تصميمات وشعارات توحي بأنها صيدليات قانونية.

وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بأدوية الأمراض المزمنة، أو علاجات السرطان، أو أدوية فقدان الوزن والمنشطات الجنسية، التي تُعد الأكثر استهدافًا من قبل شبكات التزوير.

ففي كثير من الحالات، يعتقد المريض أنه اشترى الدواء من منصة أوروبية موثوقة، بينما تكون الشحنة قد أُرسلت من مستودعات تقع خارج أوروبا تمامًا.

الوسطاء… الحلقة الأكثر غموضا
ولا تقف المشكلة عند المواقع الإلكترونية. ففي كثير من الأحيان، تمر الشحنة عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والموزعين والمستوردين الفرعيين، بحيث يصبح من الصعب تتبع المصدر الحقيقي للمنتج.

فكل حلقة جديدة في سلسلة التوزيع تعني وثائق إضافية، ومستودعات إضافية، وعمليات نقل إضافية، وفرصة جديدة للتلاعب.

وقد كشفت عدة تحقيقات أوروبية أن بعض الشبكات الإجرامية لا تقوم بتزوير الدواء نفسه، بل تشتري عبوات أصلية فارغة، ثم تعيد تعبئتها بمواد مختلفة، قبل إعادتها إلى السوق عبر موزعين قانونيين يجهلون حقيقة المنتج.

وهذا النوع من الاحتيال يصعب اكتشافه بالعين المجردة، لأن العبوة نفسها أصلية، ورقم التشغيل قد يكون صحيحًا، وحتى الشريط الخارجي يبدو مطابقًا للمواصفات.

سلاسل عابرة للحدود
تُظهر قواعد بيانات التجارة الدولية أن شحنات الأدوية تنتقل اليوم بين عشرات الموانئ والمطارات قبل وصولها إلى المستهلك.

وقد تمر الشحنة الواحدة عبر أكثر من مركز لوجستي في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

هذه الطبيعة العابرة للحدود تجعل مسؤولية الرقابة موزعة بين سلطات جمركية متعددة، لكل منها قواعدها وإمكاناتها.

ولهذا ترى أجهزة مكافحة الاحتيال الأوروبية أن المهربين يستغلون الفجوات القانونية بين الدول أكثر مما يستغلون ضعف الرقابة داخل الدولة الواحدة.

فإذا اشتدت الرقابة في ميناء معين، تنتقل الشبكات إلى ميناء آخر.

وإذا أغلقت دولة منفذًا إلكترونيًا، تظهر عشرات المنصات الجديدة خلال أيام قليلة.

إنها لعبة مستمرة بين السلطات وشبكات الجريمة، تستخدم فيها التكنولوجيا بالسرعة نفسها التي تستخدمها المؤسسات الرسمية.

الوجه الآخر للتحقيق
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت البيانات الضخمة أداة رئيسية في كشف هذه الشبكات.

فبدل الاكتفاء بتفتيش الشحنات يدويًا، باتت الهيئات الأوروبية تربط بين قواعد بيانات الجمارك، وسجلات الشحن البحري، وأرقام التشغيل الدوائية، وقواعد بيانات الشركات المصنعة، لرصد أي تناقض في حركة المنتج.

فإذا ظهر أن دفعة دوائية واحدة بيعت في ثلاث دول مختلفة في الوقت نفسه، أو أن كمية معينة خرجت من المصنع بأرقام أقل مما ظهر في السوق، تبدأ أنظمة التحليل الآلي بإطلاق إشارات تحذير.

كما أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم لتحليل ملايين السجلات التجارية واكتشاف الأنماط غير الطبيعية التي قد تشير إلى وجود عمليات تزوير أو إعادة تدوير غير قانونية.

لكن، رغم هذا التطور، يعترف خبراء الأمن الدوائي بأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

فالبيانات تكشف الشبهة، لكنها لا توقف الشبكات، ما لم يصاحبها تعاون قضائي وأمني عابر للحدود، وتشريعات أكثر صرامة، وآليات أسرع لتبادل المعلومات بين الدول.

وهنا تتضح المفارقة الكبرى: فكلما أصبحت سلاسل التوريد أكثر عالمية، أصبحت مواجهة الأدوية المغشوشة أكثر تعقيدًا. ولم تعد القضية تتعلق بمصنع سري أو صيدلية مخالفة، بل بمنظومة اقتصادية عالمية تتحرك بسرعة تفوق في كثير من الأحيان سرعة أجهزة الرقابة نفسها.

ولذلك لم يعد السؤال المطروح داخل أوروبا هو كيف نمنع دخول الأدوية المغشوشة؟ بل كيف نعيد بناء منظومة تتبع دوائي قادرة على ملاحقة المنتج من لحظة تصنيع مادته الخام حتى وصوله إلى يد المريض؟ لأن أمن الدواء لم يعد يبدأ في الصيدلية، بل في أول حلقة من سلسلة توريد تمتد عبر القارات.

ماذا عن العالم العربي
إذا كانت أوروبا، بكل إمكاناتها التقنية والقانونية، لا تزال تواجه هذه المشكلة، فإن التحدي في العالم العربي يبدو أكثر تعقيدًا. فالمنطقة تضم أنظمة رقابية متفاوتة للغاية.

بعض الدول تمتلك هيئات دوائية متقدمة وإجراءات صارمة، بينما تعاني دول أخرى من ضعف البنية الرقابية، وتعدد جهات الاستيراد، وهشاشة الحدود البرية، وانتشار التجارة غير النظامية وضعف الرقمنة في القطاع الصحي.

وتشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تتعرض لنسب أعلى من المنتجات الطبية دون المستوى أو المغشوشة مقارنة بالدول ذات الرقابة الأقوى، مع تضرر خاص للأدوية المنقذة للحياة مثل المضادات الحيوية ومضادات الملاريا وبعض أدوية السرطان.

وفي عدد من الدول العربية، كشفت السلطات خلال السنوات الأخيرة شبكات استوردت أدوية غير مرخصة، أو مستحضرات طبية مزيفة، أو منتجات جرى تغيير تواريخ صلاحيتها وإعادة تغليفها.

ورغم اختلاف الحالات، فإن القاسم المشترك بينها واحد: ضعف القدرة على تتبع المنتج منذ دخوله الحدود وحتى وصوله إلى المستهلك.

التهريب لا يعرف الحدود
المشكلة أن شبكات الجريمة المنظمة لا تنظر إلى أوروبا والعالم العربي كسوقين منفصلتين. إنها تنظر إليهما كسلسلة واحدة. فالدواء قد يُنتج في آسيا، ويُعاد تغليفه في دولة ثالثة، ويمر عبر ميناء أوروبي، ثم يُصدَّر إلى سوق عربية، أو يحدث العكس. وهذا يعني أن نجاح أي دولة في مكافحة الظاهرة لن يكون كافيًا إذا بقيت الدول المجاورة خارج منظومة التعاون.

ولهذا بدأت تبرز دعوات متزايدة إلى إنشاء قواعد بيانات مشتركة بين الهيئات التنظيمية في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تسمح بتبادل المعلومات حول الشركات المشبوهة، والشحنات الموقوفة، وأرقام التشغيلات، والتحذيرات الدوائية ونتائج المختبرات.

إن سرعة تبادل المعلومات قد تكون أحيانًا أكثر أهمية من عدد المفتشين.

بناء ثقافة دوائية جديدة
لكن الرقابة والتكنولوجيا لن تكونا كافيتين إذا بقي المستهلك الحلقة الأضعف. فجزء كبير من سوق الأدوية المغشوشة يعتمد على سلوك المستهلك نفسه. حين يبحث المريض عن سعر أقل عبر الإنترنت، أو يشتري دواءً من مصدر غير مرخص، فإنه لا يخاطر بماله فقط، بل بحياته.

ولهذا فإن الخبراء يدعون إلى حملات توعية مستمرة تركز على عدة رسائل بسيطة: شراء الدواء من الصيدليات المرخصة فقط، تجنب المواقع الإلكترونية غير المعروفة، التأكد من بيانات العبوة والإبلاغ عن أي منتج يثير الشك.

فالجريمة المنظمة تزدهر عندما يصبح الطلب على المنتج غير المشروع أكبر من الخوف منه.

معركة الثقة قبل معركة الدواء
في نهاية المطاف، تكشف ظاهرة الأدوية المغشوشة عن أزمة أعمق من مجرد تجارة غير مشروعة. إنها أزمة ثقة.

فحين يبدأ المواطن في الشك في الدواء الذي يتناوله، فإنه لا يشك في المصنع فقط، بل في الصيدلية، والمستشفى، والهيئة الرقابية، والدولة بأكملها.

ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة ليست مهمة وزارات الصحة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الجمارك، والأجهزة الأمنية، والسلطات القضائية، والقطاع الخاص، وشركات التكنولوجيا، والمؤسسات الإعلامية، والمنظمات الدولية.

لقد أصبحت تجارة الأدوية المغشوشة إحدى أكثر صور الجريمة العابرة للحدود تعقيدًا، لأنها لا تستهدف المال فقط، بل تستهدف الثقة نفسها، والثقة هي العملة الأكثر قيمة في أي نظام صحي.

ومن هنا، فإن نجاح أوروبا في بناء منظومات تتبع أكثر تطورًا، وتوسيع التعاون مع الدول العربية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، قد يرسم ملامح مرحلة جديدة تتحول فيها سلاسل التوريد من فضاء معتم تتحرك فيه الشبكات الإجرامية، إلى منظومة شفافة يصعب اختراقها.

أما إذا بقيت المواجهة مجزأة، واستمرت الفجوات بين التشريعات والرقابة والتكنولوجيا، فإن الأدوية المغشوشة ستواصل رحلتها الهادئة عبر الحدود، لتؤكد مرة أخرى أن أخطر الأوبئة في القرن الحادي والعشرين قد لا تكون فايروسات، بل منتجات تبدو للعين دواءً، بينما تخفي في داخلها تهديدا صامتا لحياة الملايين.