أخبار اليمن

الخميس - 23 يوليو 2026 - الساعة 10:14 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


دخلت جماعة الحوثي مرحلة جديدة من التصعيد في البحر الأحمر بإعلانها استهداف ناقلتي نفط سعوديتين، في خطوة تتجاوز استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة إلى استهداف مباشر لشريان تصدير النفط السعودي.

ويأتي هذا التطور بينما تواصل الولايات المتحدة ضرباتها العسكرية على إيران لليوم الثاني عشر على التوالي، في وقت تؤكد فيه طهران أنها تفرض سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز، ما يضع أهم ممرين بحريين للطاقة في العالم، هرمز وباب المندب، تحت تهديد متزامن.

ولا يمثل الهجوم الحوثي مجرد عملية عسكرية جديدة، بل يعكس انتقال الجماعة إلى استراتيجية أوسع تقوم على توسيع حرب الممرات البحرية، بما يمنح إيران ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، ويهدد بإرباك حركة التجارة والطاقة العالمية.

ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، ركزت إيران على مضيق هرمز باعتباره أبرز أوراقها الاستراتيجية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. لكن استهداف الحوثيين لناقلات نفط سعودية قرب باب المندب يشير إلى أن طهران تسعى إلى توسيع نطاق الأزمة بحيث لا تقتصر على الخليج العربي.

ويكتسب باب المندب أهمية استثنائية لأنه يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الرئيسي المؤدي إلى قناة السويس.

وأي اضطراب في هذا الممر يجبر السفن على تغيير مساراتها أو تأجيل رحلاتها، وهو ما بدأت مؤشراته بالظهور مع تغيير عدد من ناقلات النفط مسارها، فيما عادت ناقلات محملة بالنفط السعودي كانت في طريقها إلى الأسواق الآسيوية.

وبذلك يصبح تصدير النفط السعودي محاصرا بين تهديدين؛ الأول في مضيق هرمز الذي تفرض إيران قيودا مشددة على الملاحة فيه، والثاني في باب المندب الذي يحاول الحوثيون تحويله إلى منطقة اشتباك دائمة.

ويمثل البحر الأحمر بالنسبة إلى السعودية بديلا استراتيجيا عن مضيق هرمز، إذ يجري نقل ملايين البراميل يوميا عبر خط الأنابيب الشرقي-الغربي إلى ميناء ينبع، قبل شحنها إلى الأسواق العالمية.

لكن إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية واستهداف الناقلات يهدد هذه الاستراتيجية بصورة مباشرة. فإذا أصبح المرور عبر باب المندب محفوفا بالمخاطر، فإن الصادرات السعودية ستواجه خيارات محدودة وأكثر كلفة، أبرزها الاعتماد على الطريق الشمالي عبر قناة السويس، وهو ما يعني زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

كما أن أي تراجع في انسيابية الصادرات السعودية ستكون له انعكاسات تتجاوز المملكة، نظرا لدورها المحوري في استقرار أسواق الطاقة العالمية.

ويرى مراقبون أن توقيت التصعيد الحوثي لا يمكن فصله عن المواجهة الأميركية الإيرانية. فبينما تتعرض إيران لضربات متواصلة تستهدف بنيتها العسكرية، تلجأ إلى استخدام حلفائها الإقليميين لتوسيع ساحات الاشتباك ورفع تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية.

ويمتلك الحوثيون موقعا جغرافيا يمنحهم قدرة استثنائية على تهديد الملاحة الدولية، سواء باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الزوارق المفخخة والألغام البحرية.

ومن خلال هذا الدور، تتحول الجماعة إلى أداة ضغط استراتيجية تتيح لإيران التأثير في حركة التجارة العالمية دون الدخول في مواجهة بحرية مباشرة مع القوات الأمريكية.

كما أن استهداف ناقلات نفط سعودية يحمل رسالة سياسية تتجاوز البعد العسكري، مفادها أن استمرار الضغط على إيران سيقابله تهديد مباشر لمصالح شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.

وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة عملياتها العسكرية داخل إيران، معلنة أن هدفها تقويض قدرة طهران على تهديد الملاحة البحرية.

لكن التطورات الأخيرة تضع واشنطن أمام تحد أكثر تعقيدا، إذ لم تعد الأزمة مقتصرة على مضيق هرمز، وإنما امتدت إلى البحر الأحمر، ما يفرض توزيعا أكبر للقدرات العسكرية الأمريكية بين أكثر من مسرح عمليات.

كما أن مسؤولين أميركيين حذروا من أن تنفيذ الحوثيين تهديداتهم بفرض حصار بحري على السعودية قد يدفع الولايات المتحدة إلى توسيع عملياتها العسكرية، سواء ضد مواقع الحوثيين في اليمن أو ضد أهداف مرتبطة بإيران.

وفي الوقت نفسه، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطا داخلية متزايدة مع استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط والوقود، وهي عوامل قد تؤثر على المشهد السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي.

ولم تعد الأزمة مقتصرة على البعد العسكري، بل بدأت آثارها الاقتصادية تتسع تدريجيا. فقد أدى إغلاق هرمز جزئيا إلى ارتفاع أسعار النفط، فيما ينذر تهديد باب المندب بتفاقم الضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتزداد المخاطر مع اضطرار شركات الشحن إلى تغيير مسارات السفن أو رفع أقساط التأمين البحري، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع عالميا.

كما أن استمرار التهديدات قد يدفع بعض شركات الملاحة إلى تقليص رحلاتها عبر البحر الأحمر، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، لكن في سياق أكثر تعقيدا بسبب تزامنه مع المواجهة الأمريكية الإيرانية المباشرة.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد تقتصر على تبادل الضربات الجوية والصاروخية، بل دخلت مرحلة تستهدف فيها الممرات البحرية التي تمثل شرايين الاقتصاد العالمي.

فإيران تراهن على استخدام هرمز، بينما يمنحها الحوثيون القدرة على الضغط عبر باب المندب، بما يخلق معادلة جديدة تقوم على تهديد مسارين حيويين في وقت واحد.

وإذا استمرت هذه الاستراتيجية، فإن الصراع مرشح للانتقال من حرب تستهدف القدرات العسكرية إلى حرب تستهدف الاقتصاد العالمي، حيث تصبح ناقلات النفط وخطوط الملاحة جزءا أساسيا من معادلة الردع والضغط المتبادل.

وبذلك، لم يعد البحر الأحمر مجرد ساحة جانبية في المواجهة الإقليمية، بل تحول إلى جبهة رئيسية في حرب الممرات البحرية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الطاقة، واستقرار التجارة الدولية، واحتمالات اتساع الصراع ليشمل أطرافا إقليمية ودولية جديدة.