أخبار وتقارير

الأربعاء - 22 يوليو 2026 - الساعة 05:14 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا خصومات دائمة، بل مصالح دائمة. وعندما يلتقي محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، سواء على يخت في عرض البحر أو في خيمة وسط الصحراء، فإن الملفات العالقة لا تُناقش بمنطق العواطف ولا بمنطق الولاءات التي بنتها الأطراف المحلية خلال السنوات الماضية، بل بمنطق المكاسب والخسائر والتسويات الممكنة.

وفي مقدمة تلك الملفات يأتي الملف اليمني والجنوب على وجه الخصوص، باعتباره أحد أكثر الملفات التي شهدت تبايناً بين الرياض وأبوظبي خلال السنوات الأخيرة، رغم الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كان هناك تقارب سعودي إماراتي، فالمؤشرات كلها تتحدث عن ذلك، بل ما هو الثمن السياسي لهذا التقارب؟ ومن هم الأشخاص أو القوى التي قد تدفع فاتورة إعادة ترتيب العلاقة بين العاصمتين؟

خلال السنوات الماضية دعمت السعودية مشروع الشرعية ومؤسساتها، وكان رشاد العليمي أحد أبرز رموز هذا المسار. وفي المقابل ارتبط اسم عيدروس الزبيدي بالمشروع الذي دعمته أبوظبي داخل الجنوب، حتى أصبح الرجلان يمثلان في نظر كثيرين عنوانين لمرحلتين متوازيتين داخل المشهد اليمني والجنوبي.

لكن مع تغير المعطيات وتبدل الأولويات الإقليمية، لم يعد مستبعداً أن تصبح الأسماء نفسها جزءاً من التسويات القادمة. فحين تقرر الدول إعادة ترتيب المشهد فإنها لا تنظر إلى الرموز باعتبارها خطوطاً حمراء، بل باعتبارها أدوات يمكن الإبقاء عليها أو استبدالها وفقاً لمقتضيات المرحلة.

ولهذا يبرز سؤال يتردد بقوة داخل الأوساط السياسية: هل يكون العليمي ثمن التفاهمات الجديدة بالنسبة للرياض؟ وهل يكون الزبيدي الثمن الذي تقدمه أبوظبي لإنهاء سنوات من التنافس على النفوذ في الجنوب؟

المعطيات الحالية لا تقدم إجابة قاطعة، لكنها تكشف مؤشرات لافتة. فهناك حديث متزايد عن إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي، وعن ترتيبات سياسية جديدة يجري إعدادها في الرياض. وفي الوقت نفسه يلف الغموض وضع الزبيدي وعدد من القيادات الجنوبية الموجودة في أبوظبي، مع تراجع النشاط السياسي والإعلامي بصورة غير مسبوقة مقارنة بالسنوات الماضية.

وإذا كانت الرياض قد بدأت تمنح بعض القيادات الموجودة لديها مساحة للظهور والتعبير والتواصل، فإن الصمت الذي يحيط بالقيادات الموجودة في أبوظبي ما يزال يثير كثيراً من علامات الاستفهام حول طبيعة المرحلة القادمة وحجم التغييرات التي يجري التحضير لها بعيداً عن الأضواء.

المشكلة أن كثيراً من الجنوبيين واليمنيين ما زالوا يربطون مستقبل قضاياهم بأشخاص، بينما تثبت التجارب أن الدول تتعامل مع الملفات لا مع الأفراد. فالعليمي ليس القضية اليمنية، والزبيدي ليس القضية الجنوبية. وقد يأتي يوم تستمر فيه الملفات بينما يغادر أصحابها المشهد، كما حدث مراراً في المنطقة خلال العقود الماضية.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل سيخرج العليمي أو الزبيدي من المشهد، بل ماذا تبقى من المشاريع التي يمثلانها إذا قررت الرياض وأبوظبي فتح صفحة جديدة بينهما؟ وهل ستكون التسوية القادمة مجرد إعادة توزيع للأدوار والنفوذ، أم أنها ستؤسس لمرحلة مختلفة تنهي نفوذ رجال المرحلة السابقة بالكامل؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن اللقاءات الكبرى بين القادة لا تنتهي عادة بالمصافحات والصور التذكارية، بل بقرارات تعيد رسم الخرائط وتبدل الوجوه وتحدد من يبقى على الطاولة ومن يغادرها.