عرب وعالم

الأربعاء - 22 يوليو 2026 - الساعة 12:29 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


دخلت السعودية مرحلة جديدة في مسار تحولها الاستراتيجي، بعدما كشفت تقارير عن موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اتفاق تعاون نووي مدني شامل مع الرياض يمتد ثلاثين عامًا، في خطوة تتجاوز كونها صفقة طاقة لتؤسس لتحالف طويل الأمد يعيد رسم موازين النفوذ في الشرق الأوسط.

ويمثل الاتفاق، الذي يمنح الشركات الأميركية الدور الرئيسي في بناء البرنامج النووي المدني السعودي، يمثل تتويجًا لمفاوضات بدأت قبل سنوات، ويعكس تحولًا في النظرة الأميركية إلى الدور السعودي، كما يؤشر إلى انتقال المملكة من الاعتماد شبه الكامل على النفط إلى تنويع مصادر الطاقة عبر التكنولوجيا النووية.

ولطالما ارتبط اسم السعودية بالنفط، باعتبارها أكبر مصدر للخام في العالم، إلا أن رؤية المملكة 2030 وضعت منذ سنوات هدفًا واضحًا يتمثل في تنويع الاقتصاد ومصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ويشكل البرنامج النووي المدني ركيزة أساسية لتحقيق عدة أهداف في وقت واحد؛ فهو يتيح إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء دون استهلاك النفط، ما يسمح بتوجيه مزيد من الخام إلى الأسواق العالمية، كما يفتح الباب أمام بناء صناعة تقنية متقدمة تعتمد على الكفاءات المحلية، ويعزز استغلال احتياطيات المملكة من اليورانيوم التي تشير الدراسات إلى أنها من بين الأكبر في المنطقة.

وبذلك، لا تنظر الرياض إلى الطاقة النووية باعتبارها مشروعًا كهربائيًا فقط، بل باعتبارها استثمارًا في مستقبل الاقتصاد الوطني، وأداة لتعزيز الأمن الطاقي خلال العقود المقبلة.

ولا يقتصر الاتفاق مع الولايات المتحدة على بناء مفاعلات نووية، بل يؤسس لشراكة استراتيجية تمتد ثلاثين عامًا، تتولى خلالها الشركات الأميركية، وفي مقدمتها "وستنغهاوس"، تصميم وبناء وتشغيل عدد من المفاعلات المتطورة، وعلى رأسها مفاعل "إيه بي 1000".

كما ينص الاتفاق على دراسة مشتركة تمتد لعامين لتقييم إمكانية تخصيب اليورانيوم داخل المملكة، وهو الملف الذي ظل طوال السنوات الماضية نقطة الخلاف الأكثر حساسية في المفاوضات بين الطرفين.

وفي حال أثبتت الدراسة وجود جدوى اقتصادية، فإن الاتفاق يفتح الباب لإنشاء منشأة تخصيب داخل السعودية، ولكن تحت إشراف أميركي صارم، بما يضمن بقاء النشاط ضمن الاستخدامات السلمية ويحول دون انتقال التكنولوجيا الحساسة.

وتعكس هذه الصيغة محاولة للتوفيق بين الطموح السعودي في امتلاك دورة وقود نووي متكاملة، والرغبة الأميركية في الحفاظ على منظومة عدم الانتشار النووي.

ومن الجانب الأميركي، لا يمثل الاتفاق مجرد تعاون في مجال الطاقة، بل يأتي في إطار منافسة استراتيجية متصاعدة مع الصين وروسيا على النفوذ في الشرق الأوسط.

وخلال السنوات الأخيرة نجحت بكين وموسكو في توسيع حضورهما في مشاريع الطاقة النووية حول العالم، بينما واجهت الصناعة النووية الأميركية تراجعًا نسبيًا.

ومن خلال منح الشركات الأميركية الدور الحصري في البرنامج النووي السعودي، تسعى واشنطن إلى إعادة تنشيط قطاعها النووي، وضمان بقاء المملكة ضمن دائرة التكنولوجيا الغربية، ومنع منافسين دوليين من الدخول إلى أحد أكبر المشاريع النووية المستقبلية في العالم.

ويعزز الاتفاق هذا الهدف من خلال بند يمنع السعودية من اللجوء إلى شريك آخر لمدة عشر سنوات إذا اعترضت الولايات المتحدة، وهو ما يمنح واشنطن عمليًا حقًا واسعًا في إدارة مستقبل البرنامج.

وتحقق المملكة من الاتفاق مجموعة واسعة من المكاسب الاستراتيجية.

أولها الحصول على أحدث التقنيات النووية الغربية، بما يختصر سنوات طويلة من التطوير الذاتي.

وثانيها بناء قاعدة صناعية وتقنية جديدة تستقطب الاستثمارات والخبرات العالمية، وتوفر آلاف الوظائف في مجالات الهندسة والبحث العلمي.

وأما المكسب الثالث فيتمثل في تعزيز مكانة السعودية كقوة طاقة عالمية لا تعتمد فقط على النفط، وإنما تمتلك أيضًا قطاعًا نوويًا مدنيًا متطورًا.

كما يمنح الاتفاق الرياض فرصة للاستفادة من احتياطياتها المحلية من اليورانيوم، وتحويلها إلى مورد اقتصادي جديد، بما ينسجم مع خطط تنويع مصادر الدخل.

ورغم أهمية الاتفاق، فإن ملف تخصيب اليورانيوم يبقى القضية الأكثر إثارة للجدل. فالولايات المتحدة كانت تتمسك خلال السنوات الماضية بما يعرف بـ"المعيار الذهبي"، الذي يلزم الدول المتعاونة معها بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي.

لكن السعودية رفضت هذا الشرط، معتبرة أن امتلاك برنامج نووي متكامل يتطلب الاحتفاظ بحق دراسة خيار التخصيب، خاصة مع امتلاكها احتياطيات كبيرة من اليورانيوم.

ويبدو أن الاتفاق الجديد يقدم صيغة وسطية؛ إذ لا يمنح المملكة حق التخصيب مباشرة، وإنما يبدأ بدراسة مشتركة، يعقبها إنشاء منشأة إذا أثبتت الدراسة الحاجة إليها، مع بقاء الإشراف الأميركي الكامل.

وبذلك تحاول واشنطن الموازنة بين احترام الطموح السعودي، ومنع أي مخاوف تتعلق بالانتشار النووي.

ورغم التأكيد الأميركي على أن البرنامج سيكون مدنيًا بالكامل، فإن الاتفاق يثير تساؤلات في المنطقة.

وتنظر إسرائيل، التي تعد الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط المالكة لترسانة نووية غير معلنة، بحساسية إلى أي برنامج نووي عربي متقدم، حتى وإن كان خاضعًا للرقابة الدولية.

كما يخشى بعض الخبراء الأميركيين من أن يؤدي منح السعودية هامشًا أوسع في مجال التخصيب إلى تشجيع دول أخرى في المنطقة على المطالبة بالحقوق نفسها، وهو ما قد يفتح الباب أمام سباق تقني نووي جديد في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، ترى الرياض أن امتلاك برنامج نووي مدني متطور لا يختلف عن برامج قائمة في دول عديدة، وأنه يأتي ضمن حقوقها المشروعة في تطوير مصادر الطاقة وتحقيق التنمية الاقتصادية.

وسياسيًا، يكشف الاتفاق عن مستوى جديد من الثقة بين الرياض وواشنطن. فبعد سنوات شهدت تباينات في بعض الملفات الإقليمية، يبدو أن التعاون النووي يعكس رغبة مشتركة في إعادة بناء العلاقة على أسس استراتيجية طويلة المدى.

كما يؤكد أن الولايات المتحدة ما زالت ترى في السعودية شريكًا رئيسيًا في الخليج، ليس فقط في ملفات الأمن والدفاع، وإنما أيضًا في التكنولوجيا والطاقة والاستثمارات المستقبلية.

ومن المتوقع أن يفتح الاتفاق الباب أمام تعاون أوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والهيدروجين، وسلاسل الإمداد الصناعية، بما يحول الشراكة بين البلدين إلى شراكة تكنولوجية متكاملة.

ولا يمثل الاتفاق النووي الأميركي السعودي مجرد مشروع لبناء مفاعلات جديدة، بل يعبر عن تحول تاريخي في مسار المملكة نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واعتمادًا على التكنولوجيا المتقدمة.

وإذا كان النفط قد صنع المكانة الاقتصادية للسعودية طوال العقود الماضية، فإن الطاقة النووية قد تصبح أحد أعمدة قوتها خلال العقود المقبلة.

وبين الطموح السعودي، والمصالح الأميركية، والهواجس الإقليمية، تبدو المملكة اليوم على أعتاب مرحلة جديدة يمكن وصفها بحق بأنها عبور إلى العصر النووي، وهي مرحلة قد تعيد صياغة خريطة الطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط لعقود قادمة.