بقلم/ المستشار نبيل احمد العمودي
تأسست فكرة الدولة تاريخياً على احتكار أدوات القوة وإخضاعها لسيادة القانون وفي اللحظة التي تنقلب فيها أداة إنفاذ القانون على القانون نفسه لا نعود أمام مجرد تجاوز أمني فردي بل نصبح أمام تهديد وجودي لكيان الدولة وهيبتها ما تشهده الساحة اليوم من صراع صامت ومعلن بين سلطة القضاء وبعض الأجهزة الأمنية في عدن ولحج يضعنا أمام تساؤل مرير... كيف تحولت أدوات الضبط القضائي إلى معاول لهدم الحصانة القضائية؟
من مربع الميليشيا إلى مظلة الشرعية...
لقد كانت قوات الحزام الأمني تفتقر إلى الصفة الرسمية في نظر القانون وظلت لسنوات تصنف في خانة الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة ولأن استقرار المجتمعات يتطلب تنظيم القوة وتحت كنف القانون خطى فضيلة النائب العام القاضي قاهر مصطفى علي خطوة شجاعة وقانونية ومسؤولة بمنح هذه الأحزمة الأمنية صفة الضبطية القضائية وكان الهدف من هذا القرار واضحاً ومحورياً
اولا/إدماج هذه القوات تحت سلطة القانون وفقاً لقانون الإجراءات الجزائية.
ثانيا/ تحويلها إلى ذراع تنفيذية تأتمر بأمر القضاء وتخضع لرقابته.
ثالثا/ إضفاء مشروعية قانونية على تحركاتها وإجراءاتها لحماية السلم الأهلي.
لكن ومِن مساوئ الصدف والمنعطفات الكارثية أن هذه القوة التي مُنحت صك الشرعية القانونية من أعلى سلطة قضائية هي ذاتها التي ارتدت لتطعن هذا الصك في الصدر.
واقعة الاختطاف...
السقوط في بئر الفوضى
إن قيام إحدى فصائل الحزام الأمني (أو ما يُعرف اليوم بوحدة حماية الأراضي التابعة للأمن الوطني) باحتجاز حرية واعتقال وكيل نيابة الأموال العامة بمحافظة لحج فضيلة القاضي حنش الداعري يمثل سابقة شديدة الخطورة.
هذا التصرف لم يكن مجرد اعتداء شخصي بل كان هجوماً مباشراً على هيبة النيابة العامة إنه تجسيد حي للمثل العربي الشهير (جزاء سِنِمَّار) حيث كافأت هذه القوةُ النائبَ العام والقضاءَ الذي منحها المشروعية باختطاف أحد رجاله وإيداعه سجن وحدة حماية الأراضي ضاربةً بالحصانة القضائية عرض الحائط ولم تقف المهزلة عند هذا الحد بل امتدت لتكشف عن تحدٍ صارخ وفاضح للأوامر القضائية...
حين صدرت أوامر صريحة بالقبض على المتورطين في هذا الاعتداء من قبل نيابة شمال عدن برئاسة المحامي العام الأول فضيلة القاضي عبداللاه مشهور وتم إيداعهم سجن الشرطة العسكرية لكن لم يستمر احتجازهم سوى (ساعة ونصف فقط) قبل أن يُطلق سراحهم ضداً على إرادة القانون والعدالة.
التمرد على القضاء...
مَن يحكم مَن؟
إن سلوك وحدة حماية الأراضي في هذه الواقعة يضعنا أمام حقيقة قانونية لا يمكن التغاضي عنها...هذه الوحدة وضعت نفسها فوق النائب العام وفوق مجلس القضاء الأعلى وفوق كل القوانين النافذة.
وفقاً للقانون يُعتبر مأمورو الضبط القضائي تابعين وخاضعين بالكامل لإشراف النيابة العامة وحين تتمرد جهة أمنية على أوامر النيابة وتفرّغ قراراتها من محتواها فإنها تفقد أهليتها وصفتها القانونية فوراً وتتحول من أداة لإنفاذ القانون إلى عصابة مسلحة تمارس البلطجة تحت غطاء رسمي.
خريطة الإنقاذ مطالب لا تقبل المساومة...
وأمام هذا المنزلق الخطير الذي يهدد بالقضاء على ما تبقى من ملامح الدولة والمؤسسات فإن الصمت أو المواربة يُعد اشتراكاً في الجريمة ومن هنا فإن الشارع الحقوقي والقانوني يضع بين يدي رئيس مجلس القضاء و فضيلة النائب العام بالذات ومجلس القضاء ككل مطالب عاجلة وحاسمة:
1/سحب صفة الضبطية القضائية فوراً..
يجب إلغاء وتجريد وحدة حماية الأراضي وكل فصيل أمني يرفض الانصياع لأوامر القضاء من صفة الضبطية القضائية فلا يمكن لجهة متمردة على القانون أن تحمل صفة تمثيله.
2/إحالة القيادات المتمردة للتحقيق
يجب إحالة قيادة هذه الوحدة وكل من سهل تهريب المقبوض عليهم من السجن العسكري إلى نيابة الأموال العامة لمحاكمتهم بتهمة التمرد وإساءة استخدام السلطة واحتجاز حرية رجال القضاء.
3/إعادة الاعتبار للقضاء...
إن فرض هيبة القانون يبدأ من حماية حراسه وبدون موقف حازم وصارم من النائب العام يعيد الأمور إلى نصابها فإننا نعلن رسمياً وفاة سلطة القضاء وبدء عصر حكم الغاب.
إن اللحظة الراهنة لا تحتمل أنصاف الحلول فإما دولة يحكمها القانون ويسود فيها القضاء وإما فصائل مسلحة تصنع قوانينها الخاصة على مقاس مصالحها ونفوذها. والقرار اليوم في ملعب النائب العام ومجلس القضاء الأعلى لإثبات أن سيف العدالة لا يزال قادراً على قطع دابر التمرد.