أخبار وتقارير

الثلاثاء - 14 يوليو 2026 - الساعة 04:56 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


هناك حقيقة صادمة يحاول كثيرون تجاهلها أو الهروب منها، وهي أن جماعة الحوثي، رغم تصنيفها كجماعة إرهابية ، ورغم سنوات الحرب الطويلة ضدها، أصبحت اليوم رقمًا صعبًا في معادلة المنطقة إلى درجة أن خصومها قبل حلفائها باتوا يتجنبون استفزازها أو الدخول في مواجهة مفتوحة معها. وبينما تتصدر عناوين الأخبار التهديدات والتصريحات النارية، تكشف الوقائع على الأرض أن الجميع يتعامل مع الحوثيين بمنطق الحذر الشديد، لأن كلفة المواجهة معهم لم تعد كما كانت في السابق.

إسرائيل والولايات المتحدة، رغم عدائهما المعلن للحوثيين، تدركان أن أي تصعيد واسع ضد الجماعة قد يؤدي إلى إشعال جبهة البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية عبر باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فإغلاق هذا الشريان أو تعطيل حركة التجارة فيه لا يعني مجرد أزمة إقليمية، بل يعني ارتباكًا عالميًا في حركة التجارة والطاقة وارتفاعًا كبيرًا في تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما لا ترغب القوى الكبرى في تحمله في هذه المرحلة الحساسة.

وتزداد خطورة المشهد مع الدور الإيراني في المنطقة. فبعد إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب والتصعيد العسكري، أصبحت المخاوف أكبر من أي وقت مضى. وإذا كان هرمز يمثل أحد أهم شرايين النفط العالمية، فإن أي مواجهة جديدة قد تدفع نحو إغلاق باب المندب أيضًا، ما يعني عمليًا وضع أهم منفذين بحريين للطاقة والتجارة في المنطقة تحت التهديد في الوقت نفسه. وهذه ليست مجرد أزمة لدول المنطقة، بل أزمة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

أما السعودية، فقضيتها مع الحوثيين تكشف حجم التحول الذي حدث خلال السنوات الماضية. فالدولة التي خاضت حربًا استمرت أكثر من عقد، وأنفقت المليارات، وخاضت معارك سياسية وعسكرية وإعلامية مفتوحة ضد الحوثيين، وجدت نفسها في نهاية المطاف تتجه نحو التهدئة والتفاهم. لم يكن ذلك بسبب تغير القناعات السياسية، بل بسبب واقع فرض نفسه على الجميع. فالحوثيون تمكنوا من تطوير قدراتهم العسكرية إلى مستوى جعل الصواريخ والطائرات المسيّرة تصل إلى العمق السعودي وتستهدف منشآت حيوية ومطارات وموانئ ومرافق مرتبطة بإمدادات الطاقة.

واليوم تبدو السعودية أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فمع التهديدات التي تواجه بعض مسارات الطاقة التقليدية، يكتسب البحر الأحمر أهمية استثنائية بالنسبة للصادرات النفطية السعودية. ومع وجود الحوثيين على الضفة المقابلة لهذا الممر الحيوي، فإن أي تصعيد غير محسوب قد يضع المصالح الاقتصادية السعودية أمام مخاطر كبيرة. ولهذا لم تعد الحسابات تدار بمنطق الشعارات أو الأمنيات، بل بمنطق المصالح والخسائر.

وفي الجنوب ، لا يمكن تجاهل حقيقة أن القوة العسكرية والسياسية الأبرز التي وقفت خلال السنوات الماضية في وجه تمدد الحوثيين نحو الجنوب كانت المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته العسكرية والأمنية. فقد شكلت هذه القوات، بالنسبة لكثير من المراقبين، رأس الحربة في مواجهة الحوثيين على الجبهات الجنوبية، وكانت تمثل أحد أهم العوائق أمام أي مشروع للتوسع جنوبًا.

لكن التطورات الأخيرة، خصوصًا بعد أحداث حضرموت، فتحت الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مستقبل هذه المعادلة. فهناك من يرى أن الرياض تتجه نحو إعادة تشكيل المشهد الجنوبي بصورة تؤدي إلى تقليص نفوذ المجلس الانتقالي وإضعاف حضوره العسكري والأمني والسياسي. وإذا استمرت هذه السياسات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: من سيملأ الفراغ الذي قد ينشأ عن إضعاف القوة التي كانت تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الحوثيين؟

المفارقة أن القوات الجنوبية التي ما تزال تتمركز على خطوط التماس وتتصدى لأي محاولات تقدم حوثية، تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا سياسية وعسكرية متزايدة. وهذا ما يدفع كثيرين إلى التحذير من أن أي إضعاف إضافي لهذه القوات قد يفتح الباب مستقبلاً أمام تغيرات خطيرة في موازين القوى، وقد يمنح الحوثيين فرصًا أكبر للتوسع إذا لم توجد قوة بديلة قادرة على القيام بالدور نفسه.

الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن ميزان القوة لا يقاس بالشعارات ولا بالخطابات السياسية ولا بحجم الحملات الإعلامية، بل بقدرة كل طرف على فرض حساباته على الأرض. وما نراه اليوم هو أن دولًا كبرى تمتلك أقوى الجيوش والأساطيل في العالم ما زالت تحسب ألف حساب لأي مواجهة مباشرة مع الحوثيين، ليس حبًا فيهم ولا اقتناعًا بمشروعهم السياسي، بل خوفًا من التداعيات الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية التي قد تنتج عن أي صدام واسع معهم.

ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: من يعادي الحوثيين؟ فالجميع يعرف الإجابة. السؤال الأكثر إزعاجًا اليوم هو: إذا كان الجميع يعادي الحوثيين فعلًا، فلماذا يتجنب الجميع استفزازهم؟ ولماذا تحولت كل الأطراف إلى حساب رد فعلهم قبل اتخاذ أي خطوة ضدهم؟ الإجابة تكمن في حقيقة واحدة؛ أن من يمتلك القدرة على التأثير في أهم الممرات البحرية وخطوط الطاقة في المنطقة لا يمكن التعامل معه بمنطق الشعارات، بل بمنطق المصالح وموازين القوة، وهي اللغة التي تحكم قرارات الدول عندما تقترب ساعة المواجهة الحقيقية.

د. عبدالله عبدالصمد