أخبار اليمن

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 12:29 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


يبدو أن جماعة الحوثي تسعى إلى نقل الصراع في اليمن إلى مستوى أكثر حساسية، عبر التلويح باستهداف حركة السفن السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في خطوة لا تستهدف الرياض وحدها بقدر ما تضع أحد أهم الممرات البحرية العالمية في قلب معادلة الردع والضغط السياسي.

وبعد سنوات من الاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيّرة، تتجه الجماعة إلى توظيف الجغرافيا البحرية باعتبارها مصدر قوة قادرا على التأثير في أمن الطاقة والتجارة الدولية، وهو تطور يعكس انتقال المواجهة من حدود اليمن إلى فضاء الأمن الإقليمي والدولي.

ولا يقتصر هذا التهديد على كونه رسالة عسكرية، بل يحمل أبعادا سياسية واقتصادية أوسع، إذ يأتي في مرحلة تحاول فيها الجماعة إعادة رسم قواعد الاشتباك ورفع كلفة الضغوط المفروضة عليها، من خلال ربط أمن الملاحة في البحر الأحمر بمطالبها المتعلقة بما تصفه بـ”رفع الحصار” وإنهاء القيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وربط الحوثيون استمرار عبور السفن السعودية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب بإنهاء تلك القيود، مهددين باتخاذ خطوات تصعيدية إذا لم تستجب الرياض وواشنطن لمطالبهم، في مؤشر على أن الجماعة لم تعد تنظر إلى المضيق باعتباره ممرا دوليا فحسب، وإنما ورقة تفاوض يمكن توظيفها في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية مقبلة.

ويحمل هذا التوجه دلالات تتجاوز الساحة اليمنية، لأن باب المندب يمثل أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات النفط والغاز المتجهة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن أي تهديد لأمن الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل البحري.

ويأتي التصعيد الحوثي في توقيت لافت، بالتزامن مع تقارير تفيد بأن السعودية تدرس زيادة الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب النفط “شرق – غرب” الذي ينقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتصدير كميات أكبر من النفط دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز.

ويحظى هذا المشروع بأهمية متزايدة في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها المنطقة، إذ أصبح يمثل أحد أهم البدائل الإستراتيجية لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للتهديد. ويستطيع الخط نقل نحو سبعة ملايين برميل يوميا، فيما يذهب جزء كبير من هذه الكميات إلى الأسواق العالمية عبر ميناء ينبع.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التهديد الحوثي باعتباره محاولة لإعادة إنتاج عنصر الضغط على صادرات الطاقة السعودية. فإذا كانت الرياض قد عملت خلال السنوات الأخيرة على تقليص مخاطر مضيق هرمز، فإن الجماعة تحاول الإيحاء بأن البديل نفسه، أي البحر الأحمر، لن يكون بمنأى عن التهديدات إذا استمرت الضغوط عليها.

ويرى مراقبون أن الحوثيين يسعون إلى توسيع أدوات الردع التي يمتلكونها، بعد أن أثبتت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة محدودية قدرتها على تغيير موازين القوى السياسية. ولذلك تتجه الجماعة إلى توظيف موقعها الجغرافي على البحر الأحمر باعتباره ورقة تمنحها تأثيرا يتجاوز حدود النزاع اليمني.

ولا تبدو هذه الإستراتيجية منفصلة عن المساعي الحوثية لتكريس واقع جديد في المنافذ التي تسيطر عليها. فقد تزامنت التهديدات البحرية مع إعلان الجماعة استقبال طائرة مدنية إيرانية في مطار صنعاء واستمرار الرحلات الجوية مع طهران، في رسالة مفادها أن الحركة أصبحت قادرة على إدارة منافذها الجوية والبحرية رغم الضغوط الدولية.

ويعكس الربط بين ملفي الملاحة البحرية والطيران المدني توجها يقوم على استخدام جميع أدوات النفوذ المتاحة لتعزيز الموقع التفاوضي للجماعة. فالتحكم في حركة السفن والطائرات يمنح الحوثيين أوراقا إضافية في أي مفاوضات مستقبلية، ويعزز صورتهم كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه عند البحث عن تسوية للصراع اليمني.

لكن هذا الرهان يحمل في الوقت نفسه قدرا كبيرا من المخاطرة، لأن تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات ضغط يضع الجماعة في مواجهة مصالح دولية واسعة، وليس فقط مع السعودية أو الحكومة اليمنية.

وتدرك الرياض أن باب المندب يمثل امتدادا مباشرا لأمنها القومي وأمن صادراتها النفطية، ولذلك تؤكد باستمرار أن أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة يشكلان خطوطا حمراء لا يمكن التساهل بشأنها. كما أن أي استهداف مباشر للسفن السعودية قد يدفع إلى ردود تتجاوز الإطار اليمني، خاصة إذا تعرضت حركة التجارة الدولية لاضطرابات واسعة.

ولا يقتصر القلق على السعودية وحدها، فالدول المطلة على البحر الأحمر تنظر إلى استقرار المضيق باعتباره شرطا أساسيا لاستقرار اقتصاداتها. فمصر تعتمد بصورة كبيرة على انتظام حركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس، فيما تعتمد دول الخليج على سلامة طرق تصدير النفط، بينما تخشى الأسواق العالمية من أي اضطراب قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

وقد أثبتت التجارب السابقة أن مجرد تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها، ويرفع أقساط التأمين البحري، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

كما أن المجتمع الدولي ينظر إلى أمن باب المندب باعتباره جزءا من منظومة حماية التجارة العالمية، وهو ما يجعل أي محاولة لتعطيل الملاحة أو فرض قيود عليها مرشحة لاستدعاء تحركات عسكرية ودبلوماسية أوسع، سواء عبر تعزيز الوجود البحري الدولي أو تكثيف الضغوط السياسية على الأطراف المتسببة في التصعيد.

ويبدو أن الحوثيين يراهنون على أن امتلاكهم القدرة على تهديد هذا الممر الحيوي سيمنحهم وزنا تفاوضيا أكبر، إلا أن نجاح هذا الرهان ليس مضمونا. فكلما ارتفع منسوب التهديد للملاحة الدولية، زادت احتمالات تشكل توافق إقليمي ودولي على احتواء الجماعة ومنعها من تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة ابتزاز سياسي.

وفي المحصلة، يكشف التلويح بإغلاق باب المندب أمام السفن السعودية عن تحول نوعي في إستراتيجية الحوثيين، من استهداف الداخل السعودي إلى محاولة التأثير في معادلات الأمن البحري الإقليمي. غير أن هذا التحول يفتح في المقابل بابا لمواجهة أكثر تعقيدا، لأن أي مساس بحرية الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم لن يبقى شأنا يمنيا، بل سيصبح قضية تمس أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، بما يرفع كلفة التصعيد على جميع الأطراف.