كتابات وآراء


الأربعاء - 01 يوليو 2026 - الساعة 05:48 م

كُتب بواسطة : د. عارف محمد الحسني - ارشيف الكاتب



يقال من عاشر القوم أربعين يوم أخذ من دلائلهم ؛ وسلطنة عُمان عاشرت الجمهورية الإيرانية أربعون عام ، فقد كانت الوسيط المُحايد لها في كثير من القضايا العالِقة مع دول العالم ، والمحيط الجغرافي ، وهكذا بدأت تظهر على الساحة الدولية بأدوارها الفاعلة كوسيط بصفة مرنة ، مما شجعها على ممارسة هذا النهج في إدارة الأزمات الذي يراد لها التفضيل أن تظل نتائجها طي الكتمان كجزء من نتيجة واجب إتباعها دون تقديم أسباب العجز، مع منح شهادة التفوق لأنه من نظام تصميم هذا السلوك السياسي.

ولكن في هذه المرحلة مقارنة بالمراحل السابقة ، وجدت سلطنة عُمان نفسها وجهاً لوجه مع الجمهورية الإسلامية ، ومن متطلبات هذه المرحلة هو منع وقوع الخطأ ، لذا يتطلب منها الحذر الشديد باستخدام الحَّدس الوقائي لصناعة نظام للتحصين من تبعات انفعالات ترامب ، بتحقيق الموازنة بين مصالحها ومصالح العالم بمواصفات معتمدة دولياً ، والابتعاد ولو ظاهرياً عن إيران لحين أن يضع هذا الصراع مبادئه الحاكمة .

تحديات هذا الصراع تفرض على سلطنة عُمان ترجيح كفة القوة ، وهذا هو ديدنها وإن كانت تخفيه سابقاً ، وهناك عدة مبررات لإظهار هذه الصورة من السلوك الآن ، أن كفة القوة فقدتها الجمهورية الإسلامية ، وإن هذا الأداء لإظهار التفوق ما هو إلا عنتريات اللحظة لنقطة قمة رأس المنحنى بالاتجاه المحور السيني السالب .

ومن هذا الإحساس لن ترضى إيران لسلطة عُمان إنشاء ممر مائي جديد بجوار أراضيها لإضعاف موقف إيران التفاوضي ، وقدرتها على السيطرة على حركة السفن باعتبار هذا الطريق الجديد بجوار أراضي السلطنة وسيلة لعرض القوة وجعلها متداولة إعلامياً .

هذا التصور الإيراني بعرض القوة والسيطرة بالتحكم ولو بجزء من ممر دولي لحركة السفن تلاشى بعد اجتماع نادر جمع بين الجارين لحل مشاكلهم بعد أن تجاوزت سلطنة عُمان دور الوسيط المحايد دائماً لكفة ميزان إيران ، ومصالحها في المنطقة ، وأصبحت تبحث عن موقع قدم لها بخطوات حذرة بأساليب عمل جديدة لتحقيق أهداف مستقبلية .

بهذا السلوك العُماني المُتبدل الذي لم تخبره الجمهورية الإيرانية بالمنطقة كتابع لها في سياساتها ، وقضايا أخرى عالمية قد تتملك الجمهورية الإيرانية فكرة بأنها تعرضت للغدر ، ويشجعها على ضرب بعض المصالح العُمانية للحد من تجرأُها ، لإظهار أداء التفوق في هذه المرحلة الحرجة لإيران ، وخاصة إذا أدركت إيران أن خطوة سلطنة عمان لا رجعة عنها كنموذج للمقارنة معها فيما أقدمت عليه إيران بتجاوز الممر الدولي السابق وإنشاء طريق قريب من أراضيها ، وتعهد سلطنة عُمان علناً أنها ملتزمة بتطبيق قانون الممرات الدولية ، وما يترتب على ذلك من التزامات قانونية .

سلوك إيران يريد تجريد سلطنة عُمان من مشاطئتها لهذا الممر البحري بتاتاً ، وتريد لها الشراكة بما تملي بها مصالح إيران فقط ، ولهذا عطلت إيران مسار السفن في هذا المضيق المتعارف عليه قبل الحرب ، وصنعت مسار آخر بجوار أراضيها ، حتى حين يفشل الحوار مع أمريكا تكون لها اليد الطولى في هذا الممر المائي ، وعمان شريك بالتبعية كما هي دوماً تعمل على تلميعها .

إذا مؤشرات الضعف لما تخطط له إيران ناتج عن سلوك سلطنة عُمان ، وحجم التهديدات الناجمة عن هذا الممر المائي الجديد ، كعامل تصعيدي خارجي رئيسي لم تألفه من سلطنة عُمان ، لذا يجب مواجهته آثاره والتصدي لتبعاته بالصورة التي قد لا تعجب سلطنة عُمان .

هندسة وإعادة المسارات الحيوية لهذا الممر الحيوي يزيد من حظوظ التهديدات على الجمهورية الإيرانية ، وهذا ما تتوقعه ، وتشعر أن نجاحها في وقف الحرب والوصول إلى مذكرة التفاهم مع أمريكا ، ناتج عن الضغط الاقتصادي على التجارة العالمية ، قد بدأت بفقدها ، وسحب البساط من تحت أقدامها ، وهي تفاوض الآن على زوالها ، دون امتلاك ورقة ضغط كبرى كما قبل وأثناء العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها ، عندما تتأزم المواقف .

انحسار دائرة القوة أمسى خلل أثر بشكل واضح لتحقيق أهداف ما بعد العدوان ، وما هي الفرص المتاحة لها ؛ هذا هو السؤال الصعب الذي تبحث له الجمهورية الإيرانية عن إجابة ، فلجأت إلى تعطيل مسار الجلسات المتفق عليها في نصوص مذكرة التفاهم ، حتى يتم التراجع عن المسار المائي الجديد بجوار أراضي وشواطئ سلطنة عُمان ، وهو احد اكبر مواقف الضعف للجمهورية الإيرانية .

خطوة كبيرة للمستقبل تراها سلطنة عُمان تكفل لها مكسباً هاماً للحفاظ على حقوق مكتسبة كانت لها بالاسم فقط ، ولا تخضع لِإدارتها مباشرة كمورد دخل طبيعي متجدد نظراً لأهميته في النشاط الاقتصاد العالمي ، بينما تترك المعالجات النهائية المُمكنة للحفاظ على هذا المورد الطبيعي لما قد تشهده الساحة من نتائج كضرورة يفرضها واقع الصراع .

ومن ما سبق نجد إن المبالغ المُجمدة الستة المليار هو خيط الاتصال الرفيع الذي تتركه الجمهورية الإيرانية قائماً للاتصال كغطاء ، وسيقطع حين لا تستجيب أمريكا له إلا بشرط تحرير مضيق هرمز من نفوذ الجمهورية ، وهو ختام هذا النشاط الدبلوماسي الباكستاني القطري .

د. عارف محمد احمد علي