كتابات وآراء


الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 01:15 م

كُتب بواسطة : د. عارف محمد الحسني - ارشيف الكاتب





يستشهد الطالب بمادة الرياضيات بالتمرين المحلول ، وحركة السفن بالفنار ، والديانات بالرسل وكتبها ، وتستشهد الأُمم بتواريخها عند العثرات والملمات ، ويستشهد رجال القضاء والمحاماة بنصوص ، ومواد القانون ، ونستشهد من التاريخ الحكمة ، حتى الكائنات الغير مكلفة تستشهد عند سروحها بشعاع الشمس ، وتستشهد الأُم بجوع ومرض رضيعها بصراخه ؛ إلا السياسي يغمض عينية ، ويغلق أُذنيه عن قصص النجاح ويخضعها للتقديرات ونسبة حضوره فيها خوفاً من التغيير ، والتعديل ، أو اتخاذ موقف لتغيير هذا الواقع خوفاً من أن يتعرض موقعة ومصالحه للاهتزاز ، ويتجاهل دوره كجهة موجة للتغيير الحسَّن والوفاء بالقسم ، واحتياج مجتمعه لتأسيس قواعد قابلة للتطبيق والنفاذ خدمة للمجتمع وثقة المجتمع به ، بتوفير مستلزماتها المادية والبشرية اللازمة للوفاء بها بما يضمن كفاءة الأداء ، ليواجه بها حركة التغيير كوظيفة ملزم بها ليقدم بها حلولاً طال انتظارها من مجتمعه المحكوم به .

من هذه المقدمة ، هل يحق لنا أن نتساءل هل يستعصى على مؤسساتنا السياسية في عدم مقدرتها على معالجة مشكلاتها المُعَّقدة بما يُحقِق الترابط والتكامل والانسجام بينهما بما يكفل تنفيذ خطط التنمية وإزالة معوقاتها ، أم أن مؤسساتنا السياسية لم تمتلك الكادر القادر على إنجاز هذه المهمة الشائكة والمعقدة .

بالرغم من أهمية المعرفة التراكمية للخوض في أساسيات ظاهرة تواجه المجتمع ، ولكن غياب الرغبة والإرادة الحقيقية في مواجهتها كأداء سياسي ملموس هو أبرز مشكلات المجتمع اليمني مع ساسته ،مكاناً وزمانً ، لأن كل ساستنا تستخدم نظام الإستبانة ، كأداة لجمع بيانات الظاهرة ، ولكن لا تستطيع الوصول بها إلى نتيجة قابلة للتطبيق ، بل تظل محصورة في منهج الدراسة أعمارنا كلها ، دون توضيح لمجتمع الدراسة وعينتها.

لم نلاحظ اهتمام يرتكز على مبدأ المحاسبة بل تتشابه أهدافها ، بل أضحى التركيز على منح شهادات التقدير والتميُز ، وهي أهداف تقليدية عامة تدور منذُ عقود ، أحدثت ضعفاً في كل المجالات ، حتى القيمية منها ، بخلاف ما كان مقترحا حين البدء بالتنصيب ، فتشكل مجتمع لا يؤمن بما يقوله السياسي خلال البيانات المقروءة المليئة بعبارات تشخيص الواقع كاصطفاف يتوجب على الجميع نقده ، دون محاسبة منه كسلطة ، ولكن بمتوسطات استجابات صفرية منا .

احترام المنطق من قبل الساسة لجمهورها يعَّكس مستوى متدني لتقديرات المجتمع ، بينما حازت اللامبالاة القيمة الأعلى ، بعد إن فقد معها الآمال والطموح ، نظراً لتدني الكفاءة ورهبتها من استشعار الضرورة بحاجات المجتمع وارتقائها بأدائها الوظيفي ، كونهم تجمعات بشرية جمعتها المصالح وتنازعها المصالح، وما يؤكد ذلك التوسع في التشكيلات والمناصب والترقيات في مؤسسات السلطة ودوائرها المختلفة بغض النظر عن قدراته الشخصية ، وما قد يقدمه للمجتمع من فائدة ، وإنما القصد الإستأثار بالمال العام وإسكاته ، كاننا مازلنا في النظام الأشتراكي حتى إذا تهدمت المؤسسة ، وفشلت .

شبيه لما يحصل في جامعاتنا تفتح التخصصات دون تقنيات التخصص ودون الاهتمام بأن يتوفر كرسي لجلوس الأستاذ المحاضر أو سبورة لغرض عرض محاضرته ، أو توفر مروحة لتحريك هواء الغرفة المشبعة بالرطوبة ، أو أحد أدوات العرض القديمة الذي نسمع عنها ولم نشاهدها بعد أن اندثرت وحل عنها التقنيات الحديثة الغير متوفرة إلا ما ندر ، والنادر كما يقال في حكم المعدوم " أبحاث ودراسات منشورة تبنتها جامعاتنا " .

هذا التوسع في مؤسساتنا السياسة والتنفيذية جاء لتقليل كلفة المواجهة لبؤر الفساد ، وخسائرها لهم ، حيث لا يتطلب الأمر سواء المزيد من المبالغ الطائلة تُدفع بالعملة الصعبة التي تضمن بقاء هذه التكتلات السياسية متصالحة ، ويُزهق المواطن الذي يعاني من تدهور ملموس في جميع نواحيه الاقتصادية مترافقا مع شح الموارد المالية المنهوبة ، فيكتف الكل بالإدانات والمطالبات كجهد مقابل معاشاتهم ، وإكرامياتهم ونثرياتهم ،وتطبيبهم ومطالبهم الجانبية الأخرى التي لا ترد، وما الصناديق التي تصنع بدون أقفال إلا تلبية لهذه الطلبات .

فيعود هذا التوسع " التضخم الإداري والسياسي " للنظام إلى نتائج عكسية ، منها انعدام الكفاءة وزيادة في الترضيات والصلح بينهم ، وستحتاج الدولة لمحاسبته إلى رفع الحصانة ، وتفكيك عُقد هذه المصالح ، ورفع الحصانة تحتاج لجلسة مجلس النواب ، ويا معصرة دوري دوري.

السؤال الذي يحتاج إلى إجابة : ما هي النتيجة المتوقعة لهذا التفريط السياسي للواجب الوظيفي والقانوني والأخلاقي لشاغري الوظائف العليا في الدولة ، والذي يَّحول دون تحقيق رسالتها وقدرتها على مواجهة التحديات التي تواجه شعبها .

هل مزيد من تشابك المصالح حتى يمكن أن يصل الفساد إلى إدارة مدرسية أو حرمان مستحق لإعانة إغاثة أوحتى ترك حارة وحرمانها من إزالة المخلفات الإنسانية من طرق سكانها بهدف الاستحواذ على مصادرها المالية .

وما ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات العامة الأساسية التي يحتاجها المواطن الضعيف بلا سلطة تحميه إلا انعكاساً واضحاً لهذه المصالح عن طريق تقديم خدمات خاصة من أرباب المال لجهات الاختصاص كصرفيات إكراميات رمضانية وفي الأعياد وتغطية نفقات المدارس الخاصة والعلاج والسفريات والتأثيث وتركيب منظمات الطاقة وشراء السيارات وهبات مالية كبيرة وصرفيات غداء المطاعم والقات ، ونفقات قاعات الأعراس والعزاء ، وما خفي كان أعظم .

ونحن الشعب الغلبان من يقايض ألم المرض بمسكنات الدواء ووعود الحكومة بمكافحة الفساد والانتظار الطويل لموعد أُخذ من مستشفى عدن العام لمدة شهرين للمقابلة .


هذا مال يدار دون أن تحظى به المؤسسات المالية الرسمية عليه لتحسين دخول الموظف الغلبان على امره .

هذا مؤشر كافي بأن السياسي اليمني في مناطق الشرعية ليس لديه الاستعداد للمواجهة ، وروح الأقدام ، ومن لا يمتلك هذه المقومات لا يمكن أن يحقق الجودة في مهامه بصورة أكثر صدقاً مما يقوله علناً ، إلا إذا كان " علي الزيدي نموذج له" .

حتى الأصوات الناقدة الموسمية للفساد وصوره اختفت من على شاشات التلفاز كرنامج " من الآخر" وقلص زمنه إلى عشرون دقيقة لاختِفاء مظاهر الفشل في حياتنا العامة ، وبقينا نستعرض مشكلة ترامب مع إيران ، بينما في السابق يعتذرون لضيق الوقت بعد مرور ساعة من العرض الشبيه لفكر عنوان المقال .

د. عارف محمد احمد علي