أخبار اليمن

السبت - 02 مايو 2026 - الساعة 12:58 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


ما يعيشه الجنوب اليوم لم يعد مجرد خلافات سياسية عابرة أو تباينات بين قوى وشخصيات، بل أصبح مرحلة خطيرة من إعادة تشكيل الواقع الجنوبي بالكامل تحت تأثير الإرادة الإقليمية، وفي مقدمتها القرار السعودي الذي بات يتحكم بالمسار العسكري والسياسي والاقتصادي بصورة مباشرة وغير مسبوقة.

لقد كان المجلس الانتقالي الجنوبي بالنسبة لقطاع واسع من أبناء الجنوب يمثل حالة سياسية وعسكرية فرضت نفسها على الأرض باعتبارها معبرة عن مشروع استعادة الدولة الجنوبية. ومع توسع نفوذ قوات الانتقالي ووصول المواجهة إلى وادي وصحراء حضرموت، دخلت الأمور مرحلة مختلفة وحساسة، حيث ظهرت بوضوح حدود القوة المحلية أمام الإرادة الإقليمية المتحكمة بالمشهد. وعندما تدخل الطيران السعودي ضد القوات الجنوبية، كانت الرسالة واضحة بأن القرار العسكري في الجنوب ليس بيد القوى الجنوبية مهما بلغت قوتها، وأن أي تحرك خارج السقف المرسوم إقليمياً سيواجه بالقوة.

تلك اللحظة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية عابرة، بل شكلت نقطة تحول سياسية كبيرة كشفت حجم التعقيد الذي يحيط بالقضية الجنوبية، وأظهرت أن القوى الجنوبية التي اعتمدت لسنوات على تحالفات إقليمية وجدت نفسها في لحظة الحقيقة بلا غطاء حقيقي يحمي مشروعها السياسي والعسكري. وبعد التراجع العسكري، بدأت مرحلة إعادة ترتيب المشهد من الخارج، عبر استدعاء قيادات الانتقالي إلى الرياض، في خطوة فهمها كثيرون بأنها انتقال من إدارة الشراكة إلى فرض الوصاية الكاملة على القرار الجنوبي.

وفي ظل هذه التطورات، دخل الجنوب حالة ارتباك غير مسبوقة. اختفى الخطاب الواضح، وتراجع المشروع الوطني أمام حسابات البقاء السياسي، وبدأت مراكز القوى الجنوبية تتفكك وتتصارع فيما بينها، بينما توسعت مساحة النفوذ السعودي داخل كل مفاصل القرار. لم يعد الأمر مقتصراً على التأثير السياسي فقط، بل امتد إلى إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية وفق رؤية تخدم المصالح السعودية أولاً، عبر عمليات الدمج وإعادة الهيكلة وصناعة ولاءات جديدة مرتبطة مباشرة بالرياض.

وفي الجانب السياسي، أصبح الحديث عن “خارطة السلام” و”إنهاء الحرب” يجري بعيداً عن الإرادة الشعبية الجنوبية الحقيقية، وكأن الجنوب تحول من قضية شعب يسعى لتقرير مصيره إلى مجرد ملف تفاوضي ضمن ترتيبات إقليمية أكبر. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ أن يفقد الشعب قضيته تدريجياً وسط الضجيج السياسي والانقسامات والصراعات الداخلية، وأن تتحول التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء الجنوب إلى أوراق تستخدمها القوى الإقليمية لتحقيق مصالحها الخاصة.

اليوم يعيش الجنوب حالة انقسام خطيرة، ليس فقط بين القوى السياسية، بل حتى داخل المجتمع الجنوبي نفسه. اختلطت المواقف، وضاعت المعايير، وأصبح المواطن البسيط عاجزاً عن التمييز بين من يدافع فعلاً عن القضية الجنوبية وبين من تحول إلى أداة لتنفيذ مشاريع خارجية. والأسوأ من ذلك أن رفاق الأمس الذين كانوا يقفون في خندق واحد باتوا يتبادلون الاتهامات والتخوين، بينما يتآكل النسيج الاجتماعي الجنوبي يوماً بعد يوم.

إن أخطر ما يواجه الجنوب اليوم ليس فقط التدخل الخارجي، بل فقدان المشروع الوطني الجامع الذي يوحد الناس حول هدف واضح ومستقل. فلا يمكن لأي شعب أن ينتصر لقضيته وهو ممزق من الداخل، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا أصبح رهينة للدعم الخارجي أو خاضعاً بالكامل لإرادة الآخرين.

وفي كل هذه الظروف، وبكلمة مختصرة، يبقى التمسك بالمجلس الانتقالي الجنوبي ضرورة وطنية بالنسبة لكثير من أبناء الجنوب، باعتباره إنجازاً جنوبياً خالصاً جاء بعد سنوات طويلة من النضال والتضحيات التي قدمها شعب الجنوب. ورغم ما شاب مسيرته من أخطاء أو تجاوزات أو حالات تهميش لا يمكن إنكارها، فإن المجلس الانتقالي في المحصلة يمثل حصاد الثورة الجنوبية وتراكم نضالها السياسي والعسكري، ولا يمكن التفريط به أو السماح بإضعافه في هذه المرحلة الحساسة.

إن المطلوب اليوم ليس هدم ما تحقق أو الدخول في صراعات تستنزف الجنوب أكثر، بل تصحيح الأخطاء وتعزيز الشراكة الوطنية الجنوبية وإعادة بناء الثقة بين مختلف المكونات، بما يحفظ القضية الجنوبية من الضياع ويمنع تحويلها إلى ورقة بيد القوى الخارجية.

فالجنوب الذي قدم آلاف التضحيات لا يستحق أن يتحول إلى ساحة نفوذ تتقاسمها المصالح الخارجية، ولا أن يصبح شعبه مجرد تابع ينتظر ما يُقرر له من الخارج. إن معركة الجنوب الحقيقية اليوم ليست فقط مع القوى التي تصادر قراره، بل أيضاً مع حالة الضياع والانقسام التي تهدد مستقبله وهويته ومستقبل أجياله القادمة.