عرب وعالم

الخميس - 30 أبريل 2026 - الساعة 11:56 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


تتجه الأنظار مجددًا إلى واشنطن، حيث يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب خيارات عسكرية جديدة ضد إيران، في خطوة قد تعيد إشعال المواجهة بعد فترة من التهدئة الهشة التي لم تنجح في تحقيق اختراق سياسي أو تثبيت استقرار طويل الأمد.

وتأتي هذه التحركات في سياق ضغوط متزايدة داخل الإدارة الأميركية لكسر الجمود في المفاوضات، عبر أدوات أكثر صرامة قد تمزج بين التصعيد العسكري والضغط الاستراتيجي.

وبحسب تسريبات من مصادر مطلعة، من المنتظر أن يتلقى ترامب إحاطة مفصلة من قائد القيادة المركزية الأميركية تتضمن خططًا عملياتية متعددة، أعدها البنتاغون للتعامل مع السيناريوهات المحتملة.

وتشير هذه الخطط إلى خيار تنفيذ “موجة قصيرة وقوية” من الضربات العسكرية، تستهدف بنى تحتية داخل إيران، بهدف إحداث صدمة تكتيكية تدفع طهران إلى إعادة حساباتها والعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر مرونة، خصوصًا في ما يتعلق بالملف النووي.

ويعكس هذا التوجه تحولًا في التفكير داخل دوائر صنع القرار الأميركي، حيث تتزايد القناعة بأن المسار الدبلوماسي، بصيغته الحالية، لم يعد كافيًا لتحقيق تقدم ملموس. فالمفاوضات، رغم استمرارها بشكل غير مباشر، لم تفضِ إلى نتائج حاسمة، بينما لا تزال الشكوك الأميركية قائمة بشأن نوايا إيران النووية.

وفي المقابل، تؤكد طهران تمسكها بحقها في تطوير برنامج نووي لأغراض سلمية، مشددة على التزامها بالاتفاقيات الدولية، وهو ما يضع الطرفين في دائرة من عدم الثقة المتبادل.

ولا تقتصر الخيارات المطروحة على الضربات الجوية فحسب، بل تشمل أيضًا سيناريوهات أكثر تعقيدًا وحساسية.

ومن بين هذه الخيارات، خطة للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز.

ويهدف هذا التحرك إلى إعادة فتح الممر أمام الملاحة التجارية التي تعطلت بشكل شبه كامل خلال الحرب، غير أن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر تصعيد كبيرة، خاصة إذا استدعت نشر قوات برية أو الدخول في مواجهات مباشرة مع القوات الإيرانية أو حلفائها.

كما يجري تداول خيار آخر يتمثل في تنفيذ عمليات خاصة لتأمين أو تدمير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا يجب احتواؤه. غير أن هذا السيناريو يُعد من أكثر الخيارات حساسية، نظرًا لما قد يترتب عليه من تداعيات إقليمية، سواء عبر رد مباشر من إيران أو من خلال تصعيد غير متكافئ عبر شبكاتها الإقليمية.

وفي موازاة هذه السيناريوهات، يبرز خيار الضغط غير المباشر، مثل تشديد الحصار البحري المفروض على إيران.

وقد ألمح ترامب إلى أن هذا الخيار قد يكون “أكثر فاعلية” من القصف، في إشارة إلى إمكانية تحقيق أهداف استراتيجية دون الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة. إلا أن هذا النهج بدوره لا يخلو من التحديات، إذ قد يؤدي إلى مزيد من التوتر في الممرات البحرية الحيوية، ويزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل حساسية أسواق الطاقة لأي اضطراب في الإمدادات.

وأدت الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير الماضي، عقب ضربات أميركية وإسرائيلية على إيران، إلى تصعيد واسع النطاق، شمل ردودًا إيرانية استهدفت إسرائيل ومواقع في دول خليجية تستضيف قواعد أميركية.

وأسفرت هذه المواجهات عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، إلى جانب موجة نزوح واسعة، فضلًا عن اضطرابات حادة في الأسواق العالمية وارتفاع ملحوظ في أسعار النفط.

ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار بعد أسابيع من القتال، فإن هذا الاتفاق ظل هشًا، مع استمرار التوترات وتبادل الاتهامات بين الأطراف.

وقد أدى ذلك إلى حالة من “اللاحرب واللاسلم”، حيث تتوقف العمليات الكبرى، لكن دون وجود مسار سياسي واضح يضمن إنهاء الصراع أو احتواء أسبابه.

وفي هذا السياق، تبدو الخطط العسكرية الجديدة جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة فرض شروط أميركية على مسار التفاوض، سواء عبر إظهار الجاهزية لاستخدام القوة أو عبر تنفيذ ضربات محدودة تحمل رسائل ردع واضحة. غير أن هذا النهج يثير جدلًا متزايدًا، ليس فقط على الصعيد الدولي، بل أيضًا داخل الولايات المتحدة، حيث تتصاعد الأصوات الرافضة لأي انخراط عسكري جديد في الشرق الأوسط.

كما يحذر خبراء في القانون الدولي من أن استهداف البنية التحتية قد يثير إشكالات قانونية خطيرة، خاصة إذا طال منشآت مدنية أو حيوية.

وتشير هذه التحذيرات إلى أن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح الباب أمام تداعيات قانونية وسياسية معقدة، قد تؤثر على صورة الولايات المتحدة وموقعها الدولي.

وإقليميًا، تتابع دول الشرق الأوسط هذه التطورات بقلق بالغ، نظرًا لما قد يترتب عليها من انعكاسات مباشرة على أمنها واستقرارها. فمضيق هرمز، على سبيل المثال، لا يمثل فقط شريانًا حيويًا للطاقة، بل يشكل أيضًا نقطة تماس حساسة لأي مواجهة محتملة، ما يجعل أي تحرك عسكري في محيطه محفوفًا بمخاطر توسيع رقعة النزاع.

واقتصاديًا، تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب، إذ إن أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط، ويزيد من حالة عدم اليقين التي تخيم على الاقتصاد العالمي.

وقد أظهرت التجربة الأخيرة أن الحرب في المنطقة لا تبقى محصورة جغرافيًا، بل تمتد تأثيراتها إلى مختلف أنحاء العالم.

ويجد ترامب نفسه أمام معادلة دقيقة: تصعيد عسكري قد يحقق ضغطًا سريعًا على إيران ويدفعها إلى تقديم تنازلات، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر توسع النزاع وانفلاته. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالمسار الدبلوماسي قد يعني استمرار الجمود، مع ما يحمله من كلفة سياسية واستراتيجية.

وبين هذين الخيارين، تبقى الساعات المقبلة حاسمة في تحديد المسار الذي ستتبعه واشنطن. فإما أن تختار الإدارة الأميركية المضي في خيار القوة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، أو أن تمنح الدبلوماسية فرصة جديدة، في محاولة لتجنب جولة أخرى من التصعيد قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة من سابقتها.