أخبار اليمن

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 12:18 م بتوقيت اليمن ،،،

رائد الجحافي


في التاريخ السياسي العربي محطات تتطلب قراءتها كفصل في كتاب أكبر. ويوم 27 أبريل 1994 كان أحد هذه الفصول. يومها لم يكن المشهد مجرد خلاف بين شريكين في وحدة، كما نظن، بل كان تتويجاً لمخطط أُعد على نار هادئة، وانفجر على رؤوس الأشهاد من ميدان السبعين في صنعاء..

ظهر يوم الأربعاء 27 أبريل 1994، وقف الرئيس علي عبدالله صالح في ميدان السبعين لإعلان الحرب على الجنوب. وبكلمات محسوبة، أسقط الرجل كل الجسور التي بنتها الدبلوماسية العربية والدولية خلال شهور من الوساطة بين صنعاء وعدن..

لقد جاء خطاب السبعين ليطوي صفحة وثيقة العهد والاتفاق التي وُقعت في عمّان قبل أسابيع. وثيقة حملت توقيع الطرفين، وتعهدت بإخراج اليمن من أزمته، لكن الحبر لم يجف حتى جفّت النوايا.

هكذا، ضرب عفاش بجميع الجهود عرض الحائط، متجاهلاً الأعراف الدبلوماسية، والمواثيق الدولية، وقبل ذلك كله، تنكر حتى لمنطق الشراكة الذي قامت عليه وحدة 22 مايو 1990..

لفهم خطاب الـ27 من أبريل 1994، يجب العودة إلى ما قبل الوحدة. كانت هناك هندسة سياسية وعسكرية ترسم في الكواليس. تقاطعت فيها حسابات صنعاء مع طموحات بغداد. جوهر المخطط كان باختصار هو السيطرة على قوس النفط العربي الممتد من العراق حتى باب المندب..

سقط المشروع أول مرة بخروج صدام حسين من الكويت عام 1991 بعد إجماع دولي نادر. لكن الإجماع الذي أجبر صدام على الانسحاب، أجبر صالح أيضاً على تأجيل مشروعه في الجنوب. نعم لم يلغِه، بل أجّله. انتظر اللحظة، وصنع الذريعة..

والذريعة صُنعت بالدم. بين 1992 و1993، تحولت صنعاء إلى ساحة اغتيالات ممنهجة ضد القيادات الجنوبية، ففي 26 أبريل 1992 محاولة اغتيال وزير العدل عبدالواسع سلام.
وفي الشهر نفسه تفجير منزل عضو مجلس الرئاسة سالم صالح محمد.
14 يونيو 1992 اغتيال هاشم العطاس شقيق رئيس الوزراء حيدر العطاس.
21 يونيو اغتيال مستشار وزير الدفاع ماجد مرشد.
20 أغسطس 1992 هجوم صاروخي على منزل رئيس مجلس النواب، ياسين سعيد نعمان.
10 سبتمبر 1992 قنبلة على منزله تودي بحياة اثنين من مرافقيه.
29 أكتوبر 1992 نجاة أبناء علي سالم البيض من محاولة اغتيال، ومقتل ابن شقيقته..
15 نوفمبر 1993 إطلاق نار على منزل نجل البيض من ثكنة عسكرية.
17 ديسمبر 1993 منع الشرطة العسكرية لسيارة رئيس الوزراء حيدر العطاس من دخول صنعاء.

153 قيادياً جنوبياً سقطوا بين اغتيال ومحاولة. جميع الحوادث كانت حوادث سياسة. سياسة تهدف إلى تفريغ الجنوب من قيادته، وتفكيكه قبل المعركة المخطط لها..

وبالعودة إلى تأكيد صحة النوايا المبيته من قبل عصابة صنعاء تجاه الجنوب علينا أن نطرح هذا السؤال الذي يكشف النية المبيتة، وهو لماذا بقي الجيشان منفصلين ثلاث سنوات بعد إعلان مايسمى الوحدة؟

الجواب في الميدان. بينما تُرك الجيش الجنوبي للإهمال والتفكيك والتشتيت، كانت صنعاء تعيد بناء جيشها، وتوزع وحداته على النقاط الحساسة في الجنوب، وتستعين بخبراء عراقيين لرسم خطط الاجتياح. لم يكن الإعداد وليد الأزمة، بل سابق عليها..

بعد خطاب السبعين يوم 27 ابريل بساعتين فقط، تحركت الآلة العسكرية..
في محافظة عمران اليمنية، قام اللواء الأول مدرع بقيادة علي محسن الأحمر بمحاصرة لواء المدرعات الجنوبي والانقضاض عليه وتدميره.
وفي محافظة ذمار، تعرض لواء باصهيب الجنوبي للحصار في جبال آنس، ثم دُمر اللواء الرابع مدفعية بمشاركة القبائل والمتطرفين..
وفي صنعاء، حوصر اللواء الخامس مظلات في خولان، واللواء المرابط في جبل الصمع.
وفي الجنوب نفسه، بادر اللواء الثاني مدرع وقوات العمالقة الشمالية بالهجوم على المواقع الجنوبية، والانتشار ضمن خطة معدة مسبقاً تضمن تقطيع ارض الجنوب وعزل ابين عن عدن وتبين عن حضرموت وشبوة..

كانت الخطة واضحة، تطويق عدن، وقطع شرايينها. اللواء الثاني في العند يغلق البوابة الغربية. ولواء العمالقة بأكثر من 16 كتيبة في أبين يغلق البوابة الشرقية، ليعزل العاصمة عن حضرموت وشبوة والمهرة..

الحرب التي خاضتها عصابة صنعاء لم تكن حرب جيش نظامي فقط. إذ دخلها طرف ثالث وهم ما يسمى الأفغان العرب، المجاهدين العرب العائدين من القتال في أفغانستان..

وعلاقة الأفغان العرب عبارة عن تحالف بدأ قبل الوحدة. لقاءات جمعت علي محسن الأحمر، وعبدالمجيد الزنداني، والشيخ عبدالله الأحمر، وعلي عبدالله صالح، بأسامة بن لادن. الهدف المعلن كان اجتثاث الحزب الاشتراكي والسيطرة على الجنوب لإقامة إمارة إسلامية..

ومع إعلان الحرب، بدأت التعبئة. الزنداني أطلق الفتاوى، الجنوب مباح. دمه، ماله، نساؤه، أطفاله الجميع غنائم. ودخل آلاف المقاتلين ساحة المعركة تحت راية الجهاد. وبعد الحرب، صاروا شركاء حكم. معسكرات تدريب، معاهد متطرفة، سيطرة على مفاصل الدولة. وهكذا تحول الجنوب إلى ساحة نفوذ لتيار لم يكن جزءاً من معادلته الوطنية..

لذلك يحفظ لنا التاريخ وواقع تلك الأحداث بأن ما جرى في 27 أبريل 1994 كان نقطة البدء لتنفيذ مخطط قديم. مخطط أراد الجنوب غنيمة، وجسراً لمشروع إقليمي أكبر. وعندما تعثر المشروع في الكويت، نُقل إلى الجنوب وجرى احتلاله بالقوة..

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت آثار ذلك اليوم حاضرة. الفاعلون تغيروا، والأسماء تبدلت، لكن الجوهر بقي، استمرار إخضاع الجنوب، إما بقوة السلاح، أو بالفتوى الدينية، أو بتعبئة وتحريض دول الجوار واستخدامها لضرب الجنوب..

والتاريخ، كما تعلمنا، لا يكتبه المنتصرون وحدهم. يكتبه أيضاً من يرفضون أن تُمحى ذاكرتهم. ومن يقرأ 27 أبريل جيداً، يدرك أن الحرب ضد الجنوب لم تبدأ بخطاب، ولم تنتهِ ببيان. بدأت بنية، وما زالت مستمرة بأدوات أخرى..