عرب وعالم

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 06:12 م بتوقيت اليمن ،،،

الحبيب الأسود


يؤدي الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، بداية من الأحد، زيارة رسمية إلى الإمارات العربية المتحدة، على رأس وفد رسمي يضم عددا من كبار المسؤولين، من بينهم الوزير المكلف بديوان رئيس الجمهورية الناني ولد اشروقه، ومستشار الرئاسة أحمد اباه، والمدير العام لتشريفات الدولة الحسن أحمد.

وتأتي هذه الزيارة بعد سلسلة من الاتصالات الهاتفية بين الرئيس الغزواني ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد ال نهيان خلال شهري مارس وأبريل 2026، والتي ركزت على تعزيز التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين.

وبحسب مراقبين، فإن زيارة ولد الغزواني الى أبو ظبي تحمل في طياتها بعدا تضامنيا مع الإمارات في مواجهة العدوان الإيراني الذي استهدفها خلال الفترة الماضية، وتؤكد على طبيعة العلاقات الاستثنائية بين البلدين سواء من حيث طبيعتها الإستراتيجية أو رمزيتها الثقافية والحضارية.

والثلاثاء الماضي، أشادت الجمهورية الإسلامية الموريتانية بالإجراءات الأمنية التي نفذتها دولة الإمارات العربية المتحدة وأفضت إلى تفكيك خلية إرهابية وتوقيف عناصرها.

ونقلت وكالة الأنباء الموريتانية عن بيان لـوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج قولها إن "الجمهورية الإسلامية الموريتانية تعبّر عن تضامنها الكامل مع دولة الإمارات في حماية أمنها واستقرارها وتثمن يقظة وكفاءة الأجهزة الأمنية الإماراتية وتجدد رفضها التام للإرهاب بجميع أشكاله، ودعمها للجهود الرامية إلى مكافحته وتعزيز الأمن في المنطقة."

وتشهد العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة و الجمهورية الإسلامية الموريتانية تطورا ملحوظا على جميع الأصعدة وفي كل المجالات بما يجعل منها نموذجا يحتذى في العلاقات العربية \ العربية بين أقصى المحيط وأقصى الخليج وفق رؤية استراتيجية عميقة تأسست عليها تلك العلاقات التي تعود إلى بداية السبعينات من القرن الماضي.

وفي السابع من أغسطس 1973 استقبل الشيخ المؤسس زايد بن سلطان آل نهيان حمدي ولد مكناس وزير خارجية موريتانيا حينها.

وبعدها حصل تبادل للزيارات بين الرئيسين السابقين الراحلين :الموريتاني المختار ولد داداه الذي قام بزيارة رسمية الى أبو ظبي في 28 ابريل1974، رد عليها الشيخ زايد بزيارة رسمية لموريتانيا بدأها يوم 13 أغسطس 1974، واستغرقت ثلاثة أيام ، فكان لهاتين الزيارتين أثرهما البالغ في رسم أسس التعاون والتواصل بين البلدين على مختلف الأصعدة، وقد توالت اللقاءات بين رئيسي البلدين الشقيقين على هامش لقاءات القمة العربية والإسلامية، ما دفع مسيرة التعاون إلى الأمام في كافة المجالات.

وبحسب الكاتب الصحفي الموريتاني محمد ولد المنى ، فإنه يمكن أن نعتبر أن بداية علاقات التعاون المعاصر بين موريتانيا والإمارات تعود إلى عام 1973، حين أخفقت المفاوضات بين الجانبين الموريتاني والأوروبي حول تمويل مشروع طريق «الأمل» الرابط بين شرق البلاد وغربها، بعد رفض الموريتانيين الرضوخ لشروط التمويل الأوربي غير المنصفة.

وعندها قرر الرئيس المختار ولد داداه، التوجه نحو الدول الخليجية طلباً لتمويل مشروع طريق «الأمل» الذي كان يعتبره أهمَّ مشروع وطني بعد الاستقلال.

وقد ازدادت قناعته بصوابية ذلك القرار عقب لقائه في قمة الجزائر أواخر عام 1973 مع الشيخ زايد الذي دعاه لزيارة دولة الإمارات، فتوجّه إليها بعد أشهر قليلة من اللقاء الأول، ملبياً الدعوةَ على رأس وفد موريتاني رئاسي كبير.

وبالفعل فقد كانت دولة الإمارات بقيادة الشيخ زايد عند ظن الجانب الموريتاني، إذ تكفّلت على الفور بتقديم الدعم لمشروع الطريق الذي ساهم في تحقيق الاندماج الوطني وفي تسريع وتيرة التحديث وتقوية الارتباط بين ستٍ من ولايات الوطن، وبينها وبين العاصمة نواكشوط، فضلا عن كونه وفَّر فاقداً اقتصادياً غير محدود. ثم ردَّ الشيخ زايد بزيارة تاريخية لموريتانيا في العام ذاته (1974).

وإدراكاً من المختار لولع الشيخ زايد بحياة البداوة العربية الأصيلة، فقد احتفى به على الطريقة البدوية الموريتانية القديمة، فازداد إعجاب الضيف الكبير بمضيفه، والحقيقة أنه كان إعجاباً متبادلا منذ لقائهما الأول في الجزائر، وربما يعود جزء منه إلى التشابه بين كيمياء شخصيتي الرجلين، إذ اتصف كل منهما بالحصافة والحكمة والحنكة الدبلوماسية، وبتغليب الجانب العملي وبالميل إلى التعاون الإيجابي والمواقف البناءة والخيارات السلميّة والأساليب التوافقية.

وعلاوة على تشابه السمات الشخصية بين الرجلين، فهناك تشابه آخر بين السياقين التاريخيين لكل منهما.

وكان على الشيخ زايد لدى مغادرة البريطانيين المنطقةَ نهايةَ الستينيات وبدايةَ السبعينيات أن يوحِّد إمارات متفرقة في كيان دولة اتحادية واحدة، وكذلك كان على المختار عند انتهاء الاحتلال الفرنسي لبلاده أن يوحِّد «وطناً موريتانياً» كان موزعاً بين قبائل وإمارات وانتماءات أولية كثيرة وأن يؤسس دولةً جديدةً لم يخلِّف الاستعمار نواةً لقيامها خلافاً لما حدث في جميع بلدان المنطقة.

ويشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الولي ولد سيدي هيبه الى ان الشيخ زايد أحب الشعب الموريتاني الذي كان يومها متشبثا بتقاليده العربية العريقة في صرامة البداوة والتي رأى فيها آنذاك سببا للاهتمام به ومساعدته على تخطي محنة جفاف استثنائي تواصل عقودا أربعة وقحطا مزمنا ألم بكل شبه منطقة دول الساحل وحربا ضروسا كادت أن تودي بالبلد.

ويتابع ولد هيبه آن دولة الإمارات العربية المتحدة قدمت لموريتانيا في سنة 1979 أول قرض سخي معتبر واستثنائي بمبلغ أربعين مليون درهم إماراتي لتمويل جزء هام من طريق "الأمل" الحيوي الرابط بين كيفة والنعمة في شرقي البلاد.

وفي مجال الزراعة حصلت في عام 1980 على قرض من صندوق "أبو ظبي" للتنمية بمبلغ أربعة وعشرين مليون درهم إماراتي لتمويل مشروعات استصلاحات زراعية وبناء سدود. وفي نفس التاريخ وضمن برنامج استثمار نهر السنغال قدمت حكومة أبوظبي قرضا" للحكومة الموريتانية بمبلغ 43 مليون درهم إماراتي ، وأما في مجال المعادن فقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1979م قرضا لموريتانيا بمبلغ 80 مليون درهم لتمويل مشروع لمناجم الحديد شمال البلاد، وكانت قدمت قبل ذلك سنة 1974م قرضا لتمويل استخراج مادة الصلب بلغ 16 مليون درهم.

ومنذ ذلك التاريخ والعلاقات بين البلدين تتطور باستمرار الى أن بلغت أوجها خلال السنوات الماضية في ظل إصرار رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد على دعمها وتنويعها وإعطائه البعد التكاملي الإستراتيجي الواعي بموقع موريتانيا في جيوبوليتيك الإقتصاد والأمن القومي وتوازنات النفوذ الإقليمي والدولي، بالإضافة الى أهمية الخصوصيات الحضارية والثقافية والروحية للعلاقات بين الشعبين.

كما يُعد المذهب المالكي قاسماً مشتركاً وعامل تقارب ثقافي وديني بارز بين الإمارات وموريتانيا، حيث يمثل المذهب الفقهي الرسمي في دولة الإمارات، بينما يمثل المذهب السائد والأساسي في موريتانيا (بلاد شنقيط) التي تتميز بعمقها في العلوم الشرعية.

وأكد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أن العلاقات بين البلدين «وطيدة قائمة على الاحترام والتعاون، تغذيها روابط عميقة ومتنوعة من الدين واللغة والهوية الحضارية المشتركة»، مشيراً إلى ما سماه «تطابق الرؤى والمواقف من مجمل القضايا العربية والإقليمية والدولية لدى القيادتين».

وقال ولد الغزواني في مقابلة مع صحيفة « الاتحاد » الإماراتية، أن الزيارة التي قام بها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى موريتانيا في سبعينيات القرن الماضي «ما زالت حتى الآن في ذاكرة الموريتانيين الذين كانوا موجودين آنذاك، وحتى في ذاكرة الذين لم يكونوا موجودين لأن آباءهم وأمهاتهم أخبروهم عنها»، مؤكداً أنها لعبت دوراً بارزاً في «الارتقاء بهذه العلاقات إلى أعلى المستويات».

واعتبر إن وصول العلاقات بين البلدين إلى أعلى المستويات «يؤكده ما وقعناه أثناء الزيارة، من مذكرات تفاهم، وما أعلنته الحكومة الإماراتية، بمناسبتها، من تخصيص ملياري دولار لإقامة مشاريع استثمارية وتنموية وقروض ميسرة في موريتانيا»، مبرزا أن التعاون بين الإمارات وموريتانيا يغطي حالياً «مجالات متعددة، من بينها الزراعة والطاقة والأمن والثقافة والنقل».

ويرى الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، أن « ما يجمع بلدينا تاريخ طويل من العلاقات الأخوية المتينة، وأمامنا اليوم فرص عديدة ومتنوعة لتعميق هذه العلاقات وتعزيز التعاون في مختلف المجالات والتشاور في قضايا ومستجدات المنطقة".