أخبار وتقارير

الثلاثاء - 14 أبريل 2026 - الساعة 05:56 م بتوقيت اليمن ،،،

وحيد الفودعي


أصدر البنك المركزي اليمني في عدن قرارًا برفع الحد الأدنى لسعر الفائدة على ودائع الادخار الجديدة بالريال اليمني لدى البنوك التجارية إلى 18% سنويًّا، مع إبقاء أسعار الفائدة على الودائع بالعملات الأجنبية محررة، ومنح البنوك مرونة في تحديد أسعار الفائدة الأعلى ومعدلات الفائدة على القروض وفق سياساتها، وهذا القرار يعني عمليًّا رفع السعر التأشيري السابق على الودائع بالريال من 15% إلى 18%؛ أي بزيادة قدرها 3 نقاط مئوية، لكنه يظل مقصورًا على الودائع الجديدة لا على الرصيد الادخاري القائم كله؛ ويُعدّ سعر الفائدة من أهم أدوات السياسة النقدية، إذ يستخدمه البنك المركزي للتأثير في قرارات الادخار والاستثمار والاقتراض، ولإدارة مستويات السيولة في الاقتصاد، والحد من الضغوط التضخمية، والتأثير بصورة غير مباشرة في الطلب الكلي وسعر الصرف واتجاهات توظيف المدخرات بين العملة المحلية والعملات الأجنبية.

ومن حيث المبدأ، يمكن فهم القرار بوصفه محاولة نقدية لزيادة جاذبية الاحتفاظ بالريال داخل الجهاز المصرفي، وسحب جزء من السيولة من خارج البنوك إلى داخلها، وتقوية الطلب على العملة المحلية، وتخفيف الضغوط على السوق النقدية وسوق الصرف؛ وهذه الأهداف تبدو منسجمة مع ما يؤكده البنك المركزي نفسه في تقاريره عن أولوية استقرار الأسعار، وإدارة السيولة بأدوات سوقية، وتقليص الاعتماد على التمويل التضخمي.

غير أن القراءة التحليلية للقرار لا ينبغي أن تقف عند عنوانه الظاهري؛ فالسؤال الجوهري هو: هل جاءت الأداة هنا منسجمة مع طبيعة المشكلة أو المشكلات النقدية الفعلية في الاقتصاد اليمني؟ وهل السعر الجديد كافٍ أصلًا لتكوين حافز ادخاري حقيقي بعد احتساب التضخم وتقلبات سعر الصرف ومخاطر الثقة المصرفية؟

ويأتي هذا القرار في سياق أزمة سيولة ممتدة يشهدها السوق اليمني منذ أشهر، انعكست على المعاملات اليومية، وأضعفت سهولة الوصول إلى النقد، ورفعت كلفة الحصول على النقد في الأنشطة التجارية والالتزامات الجارية؛ وقد بلغت هذه الأزمة درجة من الحدة جعلت آثارها تمتد حتى إلى البنك المركزي نفسه، حين اضطر في بعض الحالات إلى الوفاء بجزء من التزاماته المحلية بالريال السعودي، وهي سابقة لافتة تكشف عمق الاختلال القائم في السيولة المحلية؛ فإذا كان البنك المركزي، وهو الجهة التي يفترض أن تمثل المصدر الأخير للسيولة بالعملة الوطنية، قد تأثر بهذه الأزمة، فإن ذلك يدل على أن المشكلة تجاوزت حدود الاختناقات الجزئية لتلامس البنية النقدية ذاتها؛ ومن هذه الزاوية، يبدو القرار محاولة مباشرة للتعامل مع هذه الأزمة والحد من ضغوطها، لكن الإشكال الأعمق في تقديري هو أن القرار ينطوي، ضمنيًّا، على افتراض تفسيري محدد لأزمة السيولة، هو أن جوهر المشكلة يكمن في اكتناز النقد خارج البنوك، وأن رفع الفائدة سيكفي لإغراء هذا النقد بالعودة إلى الدورة المصرفية؛ هذا الافتراض قد يكون صحيحًا جزئيًّا، بل قد ينجح القرار نسبيًّا إذا كان الجزء الأكبر من الأزمة ناجمًا فعلًا عن تفضيل الأفراد الاحتفاظ بالنقد خارج الجهاز المصرفي بسبب تدني العائد أو ضعف الحافز الادخاري، لكن ماذا لو كان هذا التشخيص ناقصًا؟ ماذا لو كانت المشكلة الأعمق هي أن السوق تعاني أصلًا من شح في السيولة الفعلية اللازمة للتداول اليومي خارج البنوك، بغض النظر عن الكتلة الاسمية المسجلة في ميزانية البنك المركزي أو في المؤشرات النقدية الكلية؟

هنا نصل إلى نقطة شديدة الحساسية؛ فالأرقام الاسمية للنقد المصدر أو القاعدة النقدية لا تجيب وحدها عن سؤال: كم من هذا النقد صالح وفاعل ومتاح فعلًا للتداول اليومي؟ فهي لا تُظهر بدقة حجم النقد المتآكل أو التالف، ولا تكشف بدقة درجة كفاءة توزيع السيولة بين المناطق والقطاعات، ولا تعكس بالضرورة الفجوة بين الكمية الاسمية للنقد وبين الاحتياج الفعلي لاقتصاد شديد الاعتماد على الورقة النقدية؛ وإذا كانت السوق أصلًا تعمل تحت ضغط شح تداولي حقيقي، فإن أي سياسة تنجح في سحب مزيد من النقد من خارج البنوك إلى داخلها، من دون تعويض وظيفي أو بدائل دفع أو إعادة ضخ مدروسة، قد تزيد من حدة الاختناق النقدي اليومي بدل أن تخففه، وهو ما يجعل مسألة سحب جزء إضافي منها مسألة تحتاج إلى تشخيص شديد الدقة لطبيعة الشح: هل هو فائض نقد مكتنز؟ أم سيولة تداولية يحتاجها السوق أصلًا؟

وإذا صح الاحتمال الثاني، أي وجود نقص في السيولة الفعلية اللازمة للتداول، فإن الخطر هنا يكون كارثيًّا؛ لأن امتصاص النقد من خارج البنوك في اقتصاد ورقي هش يفاقم المشكلة ولا يعالجها، ويزيد من صعوبات المبادلات اليومية، ويرفع كلفة الوصول إلى النقد، ويزيد من انكماش النشاط الاقتصادي والتجاري، ويغذي سلوكيات السوق الموازية بدل إضعافها؛ أي إن القرار قد ينجح مصرفيًّا في رفع بعض الأرصدة، لكنه يفشل اقتصاديًّا إذا كان الثمن هو تعميق أزمة النقد التشغيلي في السوق.

ثم إن حتى فرضية الاكتناز نفسها، إذا افترضنا صحتها، لا ينبغي اختزالها في عامل العائد؛ فالاكتناز في اليمن، على الأرجح، أقرب إلى كونه استجابة لأزمة ثقة منه إلى كونه بحثًا عن عائد أعلى؛ الناس لا تحتفظ بالنقد خارج البنوك فقط لأن الفائدة 15% لا تكفيهم، بل لأنهم يريدون يقينًا أعلى بإمكان التصرف بأموالهم وسحبها من البنوك وقت الحاجة، ولا سيما في ظل ما راكمه الجمهور اليمني من تجارب سلبية سابقة أضعفت ثقته بقدرة بعض البنوك على الوفاء السلس والمنتظم بالتزاماتها تجاه المودعين، ويرون في الحيازة المباشرة للنقد نوعًا من التأمين الذاتي ضد عدم اليقين؛ وعليه، فإن علاج الاكتناز برفع الفائدة وحده يعالج العرض الظاهر ولا يمس الجذر الأعمق للسلوك، وهو تآكل الثقة بالقطاع المصرفي بوصفه حاضنة آمنة للمدخرات؛ وعليه، فإن المعالجة الأكثر اتساقًا لا ينبغي أن تقف عند رفع العائد الاسمي، بل يفترض أن تتجه، قبل ذلك ومعه، نحو استعادة الثقة المؤسسية، وتعزيز ضمانات المودعين، وتحسين القدرة على السحب والوصول إلى الأموال، وترسيخ قدر أعلى من الاستقرار واليقين في البيئة المصرفية.

وهناك فرضية أخرى أكثر تعقيدًا لا ينبغي استبعادها، وهي أن جانبًا من شح السيولة قد يكون ناتجًا عن تحكم فاعلين كبار في مسارات النقد أو احتجازه أو توجيهه لأغراض مضاربية أو نفوذ أو إدارة سوق؛ فإذا كان الأمر كذلك، فهل تكفي زيادة قدرها 3 نقاط مئوية فعلًا لإقناع هؤلاء بإعادة ما تحت أيديهم إلى الدورة النقدية الرسمية؟ من الصعب التسليم بذلك؛ لأن الفاعل الذي يحتجز السيولة لتحقيق مكاسب سوقية أو تفاوضية أو سياسية لا يتخذ قراره بناء على فارق عائد مصرفي محدود، بل بناء على حسابات نفوذ ومخاطر وعوائد بديلة قد تكون أعلى بكثير من 18% اسميًّا؛ في هذه الحالة، يغدو القرار موجّهًا بالأساس إلى المودع العادي، بينما يبقى أثره محدودًا على الفاعلين الذين يُفترض أنهم يملكون القدرة الأكبر على تعطيل التدفق النقدي؛ وبالتالي، فإن هؤلاء الفاعلين، إذا كانوا بالفعل ضمن الفئة المستهدفة ضمنيًّا بهذا القرار، لا تُعالج سلوكياتهم برفع سعر الفائدة وحده، بل بأدوات الدولة التنظيمية والرقابية والإنفاذية، وبسياسات أكثر صرامة في تتبع التدفقات النقدية، ومنع الاحتكار النقدي، وكسر ممارسات التعطيل والمضاربة إن وجدت.

وحتى لو افترضنا جدلًا صحة رؤية البنك المركزي بأن جانبًا معتبرًا من الأزمة ناتج عن اكتناز النقد، سواء من قبل الأفراد أو من قبل فاعلين أكبر، فهل يكفي السعر الجديد فعلًا لتكوين حافز ادخاري حقيقي بعد احتساب التضخم وتقلبات سعر الصرف ومخاطر الثقة المصرفية؟ ذلك أن الحافز الاسمي لا يكفي، ما لم يكن قادرًا على تعويض المودع عن الخسارة المتوقعة في القوة الشرائية وعن المخاطر الملازمة للاحتفاظ بالريال داخل الجهاز المصرفي؛ من هذه الزاوية، تبدو المقارنة بين سعر الفائدة الجديد والتضخم ضرورية؛ فوفق التقرير السنوي للبنك المركزي لعام 2024، بلغ التضخم وفق متوسط الأسعار السنوي 33.9%، بينما بلغ التضخم في نهاية الفترة 8.9%؛ كما أن البنك المركزي أشار في تقرير ديسمبر 2025 إلى أن خطته النقدية لعام 2025 كانت تستهدف تضخمًا سنويًّا في حدود 25% إلى 30%، رغم أن البيانات الشهرية المتأخرة أظهرت تباطؤات شهرية في بعض الأشهر؛ وهذا يعني أن تقييم فائدة 18% ليس بسيطًا ولا أحادي الاتجاه: فإذا قورنت بمتوسط تضخم سنوي مرتفع، فإنها تظل فائدة حقيقية سالبة؛ وإذا قورنت بمعدل تضخم نهاية الفترة لعام 2024 فقط فقد تبدو موجبة اسميًّا، لكن ذلك لا يكفي للحكم على العائد الحقيقي المتوقع للمودع خلال أفق الادخار المقبل؛ لذا، فالمشكلة ليست في الرقم 18% بذاته، بل في أن فعاليته الحقيقية تتوقف على مسار الأسعار الفعلي لا الاسمي فقط.

وهنا تظهر أول ملاحظة نقدية مهمة: القرار قد يكون أقوى إعلاميًّا من كونه حاسمًا اقتصاديًّا إذا لم يأتِ في بيئة تسمح بتحول الفائدة الاسمية إلى عائد حقيقي موجب أو على الأقل غير شديد السلبية؛ فالمودع لا ينظر فقط إلى نسبة العائد المكتوبة في العقد، بل إلى ما إذا كانت هذه النسبة ستحافظ على القوة الشرائية لمدخراته، وإلى ما إذا كان انخفاض قيمة الريال أو ارتفاع الأسعار سيلتهم ذلك العائد خلال أشهر قليلة؛ وعندما تكون العملة المحلية نفسها تحت ضغط، فإن سعر الفائدة وحده يصبح أداة محدودة الفاعلية ما لم يرافقه قدر معقول من الاستقرار النقدي وسعر الصرف.

ولذلك، فإن نجاح هذا القرار مشروط بعدة متطلبات متلازمة؛ أول هذه المتطلبات، بل أهمها، استعادة الثقة المصرفية؛ لأن قرار الإيداع في اليمن لا تحكمه مسألة الربحية وحدها، بل تحكمه، قبل ذلك، اعتبارات الأمان، وإمكان السحب، وسهولة الوصول إلى الأموال عند الحاجة؛ وثانيها استقرار نسبي في المستوى العام للأسعار حتى لا تتحول الفائدة الجديدة إلى رقم اسمي فاقد للأثر الحقيقي؛ وثالثها استقرار سعر الصرف، أو على الأقل تراجع حدة تقلباته؛ لأن المودع سيقارن دائمًا بين عائد 18% على الريال وبين مخاطر تآكل قيمة الأصل نفسه؛ ورابعها قدرة البنوك على تحويل هذا القرار إلى منتج ادخاري مقنع داخل بيئة تشغيلية ورقابية مستقرة؛ وهذه الشروط ليست افتراضات نظرية؛ إذ تكشف بيانات البنك المركزي أن هيكل الودائع يميل بقوة إلى العملات الأجنبية: فقد شكّلت الودائع بالعملة الأجنبية 71.4% من إجمالي الودائع في 2023، ثم ارتفعت إلى نحو 77.6% في 2024، بينما تراجعت حصة الودائع بالريال من 28.6% إلى 22.4% فقط؛ وهذه الأرقام تدل بوضوح على أن أزمة الودائع ليست أزمة عائد فحسب، بل أزمة تفضيل عملة وثقة أيضًا.

وتبرز هنا ملاحظة جوهرية في صلب القرار نفسه لا تقل أهمية عن مجمل ما سبق، وهي التمييز بين الودائع القديمة والودائع الجديدة في تطبيق السعر الجديد؛ فهذا التمييز، من حيث الأثر السلوكي، قد لا يقود بالضرورة إلى تدفق صافي لودائع جديدة من خارج الجهاز المصرفي، بل قد يغري أصحاب الودائع القائمة بإعادة ترتيب أرصدتهم، سحبًا أو إعادة ربط أو إعادة تصنيف، للاستفادة من السعر الأعلى؛ وفي هذه الحالة، لن نشهد زيادة حقيقية في الودائع بقدر ما نشهد إعادة تدوير محاسبية للودائع نفسها؛ وهذه نقطة مهمة؛ لأن نجاح السياسة النقدية لا يُقاس بسحب وديعة وإعادة ربطها، بل بقدرتها على جذب موارد جديدة فعليًّا إلى القطاع المصرفي.

وأخيرًا، وحتى لو افترضنا وجود فائض سيولة حقيقي في السوق، وافترضنا نجاح القرار في سحب جزء منه إلى الجهاز المصرفي، فإن سؤالًا جوهريًّا يظل قائمًا: أين ستوظف البنوك هذه الأموال أصلًا؟ ففي بيئة تتسم بضعف فرص الاستثمار الحقيقي، وانكماش الائتمان المنتج، وارتفاع المخاطر التشغيلية والائتمانية، لا يكون رفع الفائدة على الودائع سياسة مكتملة ما لم يقابله مجال آمن ومجدٍ لتشغيل تلك الموارد؛ وإذا كانت البنوك ستجد نفسها، في نهاية المطاف، مضطرة إلى توجيه الجزء الأكبر من هذه الأموال نحو أذون الخزانة أو أدوات الدين الحكومي، فإننا نكون عمليًّا أمام انتقال للسيولة من الجمهور إلى البنوك ثم إلى المالية العامة، لا إلى النشاط الإنتاجي الحقيقي؛ وهذا يعني أن الأموال قد تُستخدم في تمويل النفقات الجارية أو سد فجوات العجز، بما يفاقم مع الوقت عبء خدمة الدين، ويؤجل الاختلالات القائمة بدل معالجتها من جذورها؛ وعندئذٍ يصبح القرار، في أحد أوجهه، أداة لإعادة تدوير السيولة داخل حلقة مالية مغلقة، تخفف الضغط الآني على الحكومة أو السوق، لكنها قد تفعل ذلك على حساب تعميق الهشاشة المستقبلية، وتأجيل الأزمات بدل حلها.

لذلك، فإن التحديات والعراقيل التي قد تواجه هذا القرار كثيرة ومتشابكة؛ أولها أن الثقة في البنوك لم تتآكل بسبب انخفاض العائد، بل بسبب مخاوف أعمق تتعلق بسلامة الأصل وإمكان الوصول إليه، وبالاستقرار المؤسسي العام؛ وثانيها أن الاقتصاد اليمني اقتصاد نقدي هشّ يعتمد بدرجة كبيرة على التداول الورقي المباشر، ما يجعل مسألة سحب السيولة من خارج البنوك في اقتصاد يعاني أصلًا من شح السيولة أكثر حساسية من الاقتصادات التي تمتلك بدائل دفع إلكترونية واسعة؛ وثالثها أن هيكل الودائع القائم يكشف أصلًا عن ميل مرتفع نحو العملات الأجنبية، بما يعني أن التحدي ليس فقط إقناع الناس بالإيداع، بل إقناعهم بالإيداع بالريال اليمني تحديدًا؛ ورابعها أن أي توسع في جاذبية الودائع دون بنية ثقة موازية قد يظل مؤقتًا أو انتقائيًّا أو منحصرًا في شرائح بعينها؛ وخامسها ضعف قدرة البنوك نفسها على توظيف السيولة الإضافية المحتمل سحبها من السوق توظيفًا منتجًا وآمنًا، في ظل محدودية فرص الاستثمار الحقيقي، وانكماش الائتمان المنتج، وارتفاع المخاطر، بما قد يحول جزءًا من هذه الموارد إلى سيولة معطلة أو يوجهها نحو قنوات تمويل لا تعالج أصل الاختلال الاقتصادي.

خلاصة القول إن قرار رفع الحد الأدنى للفائدة على الودائع الجديدة بالريال إلى 18% ليس قرارًا عديم الجدوى، لكنه أيضًا ليس قرارًا كافيًا بذاته، وقد لا يكون فاعلًا بما يكفي إذا بُني على تشخيص جزئي لأزمة أعمق؛ فإذا كانت المشكلة الأساسية هي ضعف الحافز الادخاري فحسب، فقد يحقق القرار بعض النتائج؛ أما إذا كانت المشكلة في جوهرها أزمة ثقة، أو أزمة سيولة تداولية فعلية، أو أزمة تحكم وانتقائية في تدفقات النقد، فإن أثره سيكون محدودًا، وقد ينحصر في إعادة تصنيف الودائع أو امتصاص جزء من سيولة السوق من دون علاج أصل الخلل.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للقرار لا يتمثل في الإعلان عنه، بل في الإجابة عن ثلاثة أسئلة عملية: هل ستزداد الودائع الصافية فعلًا لا شكليًّا؟ هل سيتحسن الطلب على الريال من دون تعميق شح النقد اليومي في السوق؟ وهل ستستعيد البنوك ثقة المودعين بما يكفي لجعل العائد عنصرًا ثانويًّا لا العنصر الوحيد؟ ما لم تتوافر إجابة مقنعة عن هذه الأسئلة، سيظل القرار أقرب إلى أداة جزئية في معركة أكبر، لا إلى حل حاسم لمشكلة الودائع والسيولة في اليمن.

*باحث وخبير اقتصادي