أخبار اليمن

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - الساعة 02:35 م بتوقيت اليمن ،،،

صادق العربي


لم يكن فيصل علوي وهو يصدح بـ "بلا جميل غدار" يغني لمجرد حبيب جافٍ أو نزوة عابرة؛ كان الرجل، بوعي أو بدونه، يضع دستوراً أبدياً لعزة النفس اللحجية والجنوبية التي ترفض الانكسار.

اليوم، ونحن نفتش في ركام "الشراكات" السياسية وتحت أنقاض الوعود المتبخرة، نجد أن "أبو باسل" كان يقرأ المستقبل بـ "قماري" عوده، ويصيغ صدمة الجنوبيين في حلفاء الأمس بكلمات تشبه طعنات الخناجر.

في أروقة السياسة وبين متاريس الصمود، يبدو المشهد اليوم استنساخاً حرفياً لتلك القصيدة.

الجنوبيون الذين قدموا الوفاء المطلق، وثبتوا في الميادين يوم اهتزت الأرض من تحت أقدام الجميع، يوم ان هرب البعض وسلم الجبهات آخرون صمد أبناء الجنوب واليوم يجدون أنفسهم اليوم أمام حالة "نكران" سياسي بشع.

تحول الوفاء إلى تهميش، والتضحية إلى ورقة ضغط، والشراكة إلى محاولة "ترويض" لا تنتهي.

حين يقول فيصل: "حبيت لعوب جاهل وعملت منه شان" فهو لا يتحدث عن الحب، بل عن "سوء التقدير" السياسي.

هو وصف دقيق لتلك اللحظة التي يكتشف فيها الطرف الجنوبي -وتحديداً في المجلس الانتقالي- أنه راهن على وعود كانت تُكتب بمداد من سراب، وأنه أعطى حجماً لحلفاء ومكونات لم تكن لتقوم لها قائمة لولا دماء الجنوبيين، فكافأوه بـ "شيطنة" القيادات وتشتيت القوات وتسليم الجنوب لجماعات معادية لأصل لها بالجنوب وأهله، بل وملطخة بدماء أبنائه .

المرارة التي تسكن الأغنية هي ذاتها المرارة التي تسكن الشارع اليوم؛ شعور بأن "العشرة" (عشر سنين من الحرب والدماء) نُكرت في ليلة وضحاها.

إن محاولة تصوير الحليف الجنوبي كأداة وظيفية تتحرك بجهاز "تحكم عن بعد" هي الغلطة التي لم يحسب الحلفاء حسابها، وهنا يأتي رد فيصل علوي الصاعق:
<<وبادعس على قلبي ولا كانه كان>>

هذا البيت ليس مجرد عاطفة، بل هو قرار سياسي استراتيجي بالقطيعة واستعادة الكرامة.

هو إعلان صريح بأن كرامة الأرض والإنسان في الجنوب ليست للمقايضة، وأن اللحظة التي يقرر فيها الجنوبي "النسيان" وإعادة ترتيب أوراقه بعيداً عن "اللعب" الإقليمي هي لحظة الولادة الحقيقية للقوة.

لطالما كان الفن في الجنوب سلاحاً، وفيصل علوي لم يكن مطرباً للطرب فحسب، بل كان صوت الأرض التي ترفض الهوان.

إن استحضار "بلا جميل" اليوم هو بيان سياسي شعبي، يخبر الجميع أن "الوافي" قد سئم من مناورات "اللعوب"، وأن الأوتار التي عزفت ألحان الثورة، قادرة اليوم على عزف لحن الوداع الأخير لشراكة لا تحترم الندّية ولا تصون العرفان.

ببساطة: لقد انتهى زمن "الجميل"، وبقي زمن "القرار".