عرب وعالم

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 02:47 ص بتوقيت اليمن ،،،

العرب


تتجه المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة أكثر تعقيدًا مع استمرار العمليات العسكرية وتزايد مؤشرات التصعيد المتبادل، في ظل غياب رؤية واضحة لنهاية الحرب أو ملامح تسوية سياسية قريبة.

وبينما بدأت الضربات العسكرية كجزء من استراتيجية ضغط على طهران، يرى مراقبون أن طبيعة الصراع الراهن تحمل في طياتها عوامل قد تدفعه للتحول إلى حرب طويلة الأمد، شبيهة بالنزاعات الممتدة التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية.

وتشير التجارب السابقة في المنطقة إلى أن الحروب التي تبدأ دون أهداف محددة أو خطط خروج واضحة غالبًا ما تتحول إلى صراعات مفتوحة يصعب إنهاؤها بسرعة.

ويتمثل أحد أبرز الأسباب التي قد تدفع المواجهة الحالية نحو حرب طويلة في غياب أهداف استراتيجية واضحة وقابلة للتحقيق. فمنذ بداية العمليات العسكرية، تعددت المبررات التي قدمتها الإدارة الأميركية للحرب. فمرة يجري الحديث عن استهداف البرنامج النووي الإيراني، ومرة عن تدمير برنامج الصواريخ الباليستية، وأحيانًا عن ضرورة تغيير النظام السياسي في طهران.

ويعكس هذا التباين في الأهداف قدرًا من الغموض الاستراتيجي، ويجعل من الصعب تحديد مسار واضح للحرب أو رسم سيناريو لنهايتها. فالحروب التي تُخاض دون أهداف محددة غالبًا ما تتحول إلى صراعات استنزاف، حيث يستمر القتال دون أن يحقق أي طرف حسمًا حقيقيًا.

كما أن طبيعة النظام السياسي في إيران تجعل فكرة انهياره السريع أمرًا غير مرجح.

وعلى الرغم من الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع استراتيجية داخل البلاد، ما زالت مؤسسات الدولة الإيرانية قائمة، ويظل الحرس الثوري أحد أقوى الفاعلين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين داخل البلاد.

وهذه المؤسسة لا تقتصر وظيفتها على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى إدارة قطاعات اقتصادية وأمنية واسعة، ما يمنحها قدرة كبيرة على الحفاظ على تماسك النظام حتى في ظل الضغوط العسكرية.

ولذلك، فإن التعويل على الضربات الجوية وحدها لإحداث انهيار سريع في بنية النظام قد يكون رهانًا غير واقعي.

وإضافة إلى ذلك، تشير المؤشرات إلى أن طهران تستعد بالفعل لمواجهة طويلة الأمد. فإيران تمتلك خبرة واسعة في إدارة الحروب غير المتكافئة، وقد طورت خلال العقود الماضية عقيدة عسكرية تقوم على الصمود والاستنزاف بدلًا من المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على توزيع مراكز القوة العسكرية وتحصينها، إضافة إلى تطوير قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة يمكن استخدامها لإبقاء الخصم تحت ضغط مستمر. كما أن القيادة الإيرانية تدرك أن قدرتها على الصمود لفترة طويلة قد تمنحها أفضلية سياسية في نهاية المطاف، خصوصًا إذا بدأت كلفة الحرب بالارتفاع بالنسبة لخصومها.

وعامل آخر قد يطيل أمد الصراع يتمثل في احتمال توسع المواجهة عبر صراعات بالوكالة في المنطقة. فإيران تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وهو ما يمنحها القدرة على نقل المواجهة إلى ساحات متعددة خارج حدودها.

وقد يؤدي مثل هذا السيناريو إلى توسيع نطاق الحرب لتشمل مناطق مختلفة من الإقليم، بما في ذلك البحر الأحمر أو الخليج أو حتى شرق المتوسط.

وعندما يتحول الصراع إلى شبكة من المواجهات المتفرقة في عدة جبهات، يصبح من الصعب إنهاؤه بسرعة، لأن كل جبهة تخلق ديناميات جديدة من التصعيد والرد المتبادل.

وفي المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة تمتلك حتى الآن خطة خروج واضحة من هذا الصراع. فبينما تتحدث الإدارة الأميركية عن تكثيف الضربات الجوية وزيادة الضغط العسكري على طهران، لم تستبعد في الوقت نفسه إمكانية نشر قوات برية داخل إيران. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، نظرًا لحجم البلاد وتعقيد تضاريسها وتنوعها السكاني والسياسي. فإيران دولة واسعة جغرافيًا ويبلغ عدد سكانها أكثر من ثمانين مليون نسمة، ما يجعل أي عملية عسكرية برية واسعة النطاق مهمة معقدة ومكلفة للغاية.

وتظهر تجارب الولايات المتحدة السابقة في العراق وأفغانستان أن التدخلات العسكرية المباشرة في المنطقة غالبًا ما تتحول إلى التزامات طويلة الأمد يصعب إنهاؤها بسرعة.

كما أن استمرار الحرب قد يحمل تداعيات اقتصادية واستراتيجية واسعة على المستوى الدولي. فقد بدأت بالفعل آثار المواجهة تظهر في أسواق الطاقة العالمية، مع تراجع حركة الشحن في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والغاز.

ويُعد هذا المضيق أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.

وأي اضطراب طويل الأمد في هذه المنطقة قد يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الطاقة، ما ينعكس بدوره على الاقتصاد العالمي ويزيد من الضغوط السياسية على الحكومات المعنية بالحرب.

ومن العوامل التي قد تعقّد مسار الصراع أيضًا الانقسامات داخل المعارضة الإيرانية. فحتى في حال تعرض النظام الإيراني لضربات قاسية أو فقد بعض قياداته، لا يوجد حتى الآن بديل سياسي موحد قادر على إدارة البلاد أو ملء الفراغ في حال حدوث تغيير مفاجئ في السلطة.

ويجعل هذا الواقع فكرة تغيير النظام بالقوة العسكرية أكثر تعقيدًا، لأن انهيار النظام دون وجود بديل واضح قد يؤدي إلى حالة من الفوضى السياسية والأمنية داخل البلاد، وهو سيناريو قد تسعى القوى الدولية إلى تجنبه.

وإلى جانب ذلك، فإن الحرب الطويلة غالبًا ما تنتج عنها ديناميات جديدة تجعل إنهاءها أكثر صعوبة مع مرور الوقت. فكلما طال أمد القتال، زادت الاستثمارات العسكرية والسياسية للأطراف المتحاربة، وارتفعت كلفة التراجع أو تقديم التنازلات. كما أن الحروب الطويلة تميل إلى خلق تحالفات جديدة وتغيير موازين القوى في المنطقة، وهو ما قد يوسع دائرة الصراع بدلًا من احتوائه.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران تحمل ملامح صراع قد يستمر لفترة طويلة، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية دون مسار سياسي موازٍ. فالحروب التي تعتمد على الضغط العسكري وحده دون إطار دبلوماسي غالبًا ما تتحول إلى صراعات استنزاف، حيث يسعى كل طرف إلى إضعاف خصمه تدريجيًا بدلًا من تحقيق انتصار حاسم.

وفي النهاية، يبقى مستقبل هذه المواجهة مفتوحًا على عدة احتمالات. فقد تنجح الضغوط الدولية في دفع الأطراف إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية تقلل من حدة الصراع.

لكن في حال استمرت الحسابات العسكرية في السيطرة على المشهد، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام فصل جديد من الحروب الطويلة التي تستنزف الموارد وتزيد من حالة عدم الاستقرار. وفي ظل غياب رؤية واضحة لنهاية الحرب، يبقى احتمال تحول المواجهة إلى صراع طويل أحد أكثر السيناريوهات ترجيحًا في المرحلة المقبلة.