أخبار وتقارير

الأحد - 18 يناير 2026 - الساعة 10:58 ص بتوقيت اليمن ،،،

خير الله خيرالله


يمكن لحدث شهده جنوب اليمن قبل 40 عاما المساعدة في فهم الوضع السائد حاليا في البلد. يتمثّل الوضع الحالي في سيطرة الحوثيين، الذين ليسوا سوى أداة إيرانية، على مساحات واسعة من شمال البلد من جهة وحال التجاذب في الجنوب الذي كان في الماضي دولة مستقلّة من جهة أخرى.

قبل أيام مرت أربعة عقود على ما يسمّى في اليمن “أحداث 13 يناير”. يومذاك، انفجر الوضع في دولة الجنوب بين أنصار علي ناصر محمّد الذي كان يشغل موقع الأمين العام للحزب الاشتراكي الحاكم، فضلا عن موقع رئيس الدولة، من جهة وخصومه من جهة أخرى.

لم يكن الانفجار الذي وقع في عدن يومذاك، بشكل حرب أهليّة، سوى بداية النهاية لدولة الجنوب التي استقلت في العام 1967.انتهت تلك الدولة في أيار – مايو 1990 مع قيام دولة الوحدة التي شكلت في مرحلة معيّنة السبيل الوحيد لتفادي مزيد من الحروب اليمنية – اليمنية. كانت حروبا بين الشمال والجنوب وحروبا داخل الجنوب نفسه. في الواقع لم يستمر شهر العسل بين الشمال والجنوب سوى أربع سنوات اندلعت بعدها أحداث صيف 1994 التي سعى إليها الحزب الاشتراكي بشخص أمينه العام، وقتذاك، علي سالم البيض من أجل الانتهاء من الوحدة وإعادة الحياة إلى دولة الجنوب. في الأصل، لم يكن لتلك الدولة أن تنتهي لو كانت قابلة للحياة في ظل الانقسامات الداخلية التي عانت وما زالت تعاني منها.

لم تلد أحداث “13 يناير” 1986 من فراغ. من رحم هذه الأحداث التي أدّت إلى انهيار النظام في “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” ولدت الوحدة اليمنية التي هرب إليها الجنوب تفاديا لمزيد من الحروب الداخليّة. بدأت هذه الحروب مع الاستقلال في العام 1967. أزاح القوميون العرب الرئيس قحطان الشعبي وحكومته. شيئا فشيئا، بدأ اليسار يتسلل إلى السلطة وصولا إلى الإعلان في العام 1972 عن قيام الحزب الاشتراكي الذي لم يكن تحالفا بين أحزاب عدة، كما كان يعتقد. كان في الواقع قياما للحزب الواحد الحاكم كما حال الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفياتي والدول التابعة له في ما كان يعرف بأوروبا الشرقية.

منذ قيام الحزب الاشتراكي وصولا إلى يوم إعلان الوحدة الاندماجية من عدن يوم 22 أيار – مايو 1990، شهدت الأراضي اليمنية سلسلة من الأحداث من بينها حروب بين الشمال والجنوب وصراعات داخل الجنوب نفسه بلغت ذروتها في أواخر 1985 وبداية 1986 عندما اصطدم علي ناصر محمّد بخصومه. كان ذلك الصدام الذي اتخذ طابعا دمويا صداما بين مناطق يمنيّة معيّنة. انتصرت عمليا قوات من محافظات ومديريات عدة قريبة من عدن (من لحج والضالع وردفان ويافع) على أنصار علي ناصر محمد الذين كانوا في معظمهم من أبين، خصوصا، وشبوة إلى حدّ ما. انضم إلى فريق المنتصرين شماليو الجنوب، مثل الراحل جارالله عمر ومحمد سعيد عبدالله المعروف بـ”محسن”، وكانوا في معظمهم من المناطق الوسطى وقد حاولوا إسقاط النظام في الشمال انطلاقا من عدن وفشلوا في ذلك..

في وقت استتب فيه وضع النظام في الشمال مع وصول علي عبدالله صالح إلى السلطة في العام 1978، كان الجنوب في حال غليان. حدثت انقلابات داخلية عدة، بما في ذلك الإتيان بعبدالفتاح إسماعيل رئيسا للدولة قبل إبعاده إلى موسكو لاحقا ثم إعادته إلى عدن للانضمام إلى خصوم علي ناصر. لا بد، قبل ذلك، من الإشارة إلى التخلّص من رئيس الدولة سالم ربيع علي (سالمين) الذي شهد عهده سعيا إلى التقارب مع الصين والانفتاح على المحيط العربي. كانت الصين وقتذاك في منافسة حادة مع الاتحاد السوفياتي. أُعدم “سالمين” في حزيران – يونيو 1978 بعد اتهامه بالوقوف وراء اغتيال الرئيس اليمني الشمالي أحمد حسين الغشمي عبر مبعوث له حمل حقيبة مفخخة انفجرت بمجرّد فتحها لإخراج الرسالة التي كان مفترضا أن تكون في داخلها. شارك طيارون كوبيون في القضاء على “سالمين” في مرحلة بدا فيها الاتحاد السوفياتي يتجه إلى أن يكون ضابط الإيقاع في اليمن الجنوبي. كانت مشاركة الكوبيين في التخلص من “سالمين” دليلا على مدى إصرار الاتحاد السوفياتي على جعل اليمن الجنوبي، خصوصا ميناء عدن، جزءا لا يتجزأ من منظومته العابرة للقارات في ظلّ الحرب الباردة.

سقط اليمن الجنوبي كنظام وبلد موحّد مع سقوط الاتحاد السوفياتي. لم يكن في يوم من الأيام ما يجمع حضرموت بعدن ومحيطها الذي كان أقرب إلى تعز ومحيطها في الشمال من أي محافظة يمنية أخرى. كانت “أحداث 13 يناير” 1986 من بين أولى الإشارات إلى بداية انهيار القوة العظمى الثانية. أبقى الاتحاد السوفياتي اليمن الجنوبي موحدا حتى العام 1990. جاءت بعد ذلك الوحدة اليمنيّة التي أنقذت الجنوب من التفكّك. المفارقة أنّه بين 1986 و1990، كانت الحاجة إلى شخصيتين من حضرموت، هما علي سالم البيض وحيدر أبوبكر العطاس لتمرير مرحلة ما بين “أحداث 13 يناير” وإعلان الوحدة، بكل حسناتها وسيئاتها. شغل البيض موقع الأمين العام للحزب وصار العطاس رئيسا للدولة.

في 2026، تبدو مشاكل اليمن معلّقة. لا حلول خارج الوصول إلى صيغة جديدة للبلد. لا وجود لقضية جنوبيّة مقدار وجود قضيّة يمنيّة. القضيّة، قضيّة مستقبل بلد تسيطر إيران على جزء منه فيما لا يزال هناك وجود للإخوان المسلمين في مناطق عدّة بينها تعز وجوارها. تسبب الإخوان في سقوط النظام الذي أقامه علي عبدالله صالح. تسببوا عمليا في تمكين الحوثيين من السيطرة على الشمال.

في النهاية، لن يكون هناك بحث جدي في مستقبل اليمن من دون الوصول إلى صيغة جديدة للبلد، صيغة من النوع الفيدرالي بعيدا وما شابه عن استحالة إعادة الحياة إلى دولة الجنوب. في اليمن، كما في أماكن أخرى في المنطقة، لا بدّ من انتظار ما الذي سيحلّ بإيران والوضع الذي ستستقر عليه… قبل رؤية ما يمكن عمله مستقبلا.