عرب وعالم

الخميس - 15 يناير 2026 - الساعة 11:55 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


تأتي المساهمة المالية الطوعية التي قدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة لمكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بقيمة 1.5 مليون دولار أمريكي، لتؤكد مجدداً مكانة الدولة كفاعل دولي مسؤول، ينتهج مقاربة قائمة على الشراكة والتعاون البنّاء مع منظومة الأمم المتحدة، ويضع دعم حقوق الإنسان في صلب رؤيته للدور الذي تضطلع به على الساحة العالمية.

ولا تندرج هذه الخطوة في إطار الدعم المالي فحسب، بل تعكس فلسفة متكاملة في السياسة الخارجية الإماراتية، تقوم على توظيف القوة الناعمة لتعزيز الاستقرار، وترسيخ القيم الإنسانية المشتركة.

وفي عالم يشهد تصاعداً غير مسبوق في الأزمات الإنسانية، وتراجعاً مقلقاً في الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان في مناطق عدة، تبرز أهمية المبادرات الطوعية التي تسهم في سد الفجوات التمويلية للمؤسسات الأممية.

ويُعد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أحد أبرز الأذرع الدولية المعنية بحماية الكرامة الإنسانية، من خلال رصد الانتهاكات، وتقديم المساعدة التقنية، وبناء قدرات الدول، والدفاع عن الفئات الأكثر ضعفاً.

ومن هذا المنطلق، تمثل المساهمة الإماراتية دعماً مباشراً لجهود دولية تواجه تحديات متزايدة، في ظل محدودية الموارد واتساع رقعة النزاعات.

وتحمل هذه الخطوة دلالة سياسية واضحة، مفادها أن الإمارات تنظر إلى حقوق الإنسان باعتبارها مسؤولية جماعية عابرة للحدود، وليست شأناً داخلياً معزولاً. فالدعم الطوعي لمكتب المفوض السامي يعكس ثقة الدولة في منظومة الأمم المتحدة، وإيمانها بأهمية العمل متعدد الأطراف كأفضل إطار لمعالجة القضايا العالمية المعقدة. كما يعزز هذا الدعم مكانة الإمارات كشريك موثوق في الجهود الرامية إلى تطوير آليات حقوق الإنسان الدولية، ودفعها نحو مزيد من الفعالية والواقعية.

وعلى المستوى الإنساني، يكتسب التمويل الإماراتي أهمية خاصة لكونه موجهاً إلى برامج تمس حياة ملايين الأشخاص حول العالم، ولا سيما الأطفال، والنساء، وكبار السن، وأصحاب الهمم. فهذه الفئات غالباً ما تكون الأكثر تضرراً من النزاعات المسلحة، والكوارث الإنسانية، والأزمات الاقتصادية.

ومن خلال دعم البرامج المعنية بحمايتهم وتمكينهم، تسهم الإمارات في تعزيز مقاربة شمولية لحقوق الإنسان، تربط بين الحماية والتنمية، وتؤكد أن صون الكرامة الإنسانية يبدأ من تلبية الاحتياجات الأساسية وضمان العدالة الاجتماعية.

كما أن دعم عمل المفوضية في مجال المساعدة التقنية والتعاون مع الدول الأعضاء يعكس رؤية إماراتية تركز على الوقاية وبناء القدرات، بدلاً من الاقتصار على الإدانة أو المعالجة اللاحقة. فتعزيز آليات حقوق الإنسان الوطنية، وتطوير الأطر التشريعية والمؤسسية، يمثلان ركيزة أساسية لضمان استدامة الحقوق والحريات.

وفي هذا السياق، تبرز الإمارات كدولة تدعم الحلول العملية والتدريجية، القائمة على الحوار والتعاون، بعيداً عن التسييس أو المواجهة.

وتندرج هذه المبادرة ضمن سياق أوسع من الانخراط الإماراتي النشط في العمل الإنساني والدولي، حيث لطالما لعبت الدولة دوراً ريادياً في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية في مختلف أنحاء العالم.

وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ صورة الإمارات كدولة تبادر ولا تنتظر، وتتحمل مسؤولياتها الدولية انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الاستقرار العالمي يبدأ من دعم الإنسان أينما كان.

ودبلوماسياً، تعزز هذه الخطوة أدوات القوة الناعمة الإماراتية، التي أثبتت فعاليتها في بناء جسور الثقة مع الشركاء الدوليين، وتوسيع دوائر التأثير الإيجابي. فالدعم المالي لمؤسسات أممية محورية، مثل مكتب المفوض السامي، يمنح الإمارات حضوراً فاعلاً في النقاشات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ويسمح لها بالمساهمة في توجيه الأولويات نحو مقاربات أكثر توازناً وشمولية، تأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية والتنموية للدول.

وفي السياق الإقليمي، تحمل المساهمة الإماراتية رسالة مفادها أن دول المنطقة قادرة على لعب دور إيجابي في تعزيز حقوق الإنسان على المستوى العالمي، من خلال الشراكة والالتزام، وليس فقط من موقع المتلقي للنقد أو التوصيات.

ويعكس هذا التوجه رغبة إماراتية في الإسهام في إعادة صياغة العلاقة بين الشرق الأوسط والمنظومة الحقوقية الدولية، على أساس التعاون والمسؤولية المشتركة.

كما أن التأكيد على استمرار التعاون البناء مع الأمم المتحدة يعكس وعياً بأهمية العمل المؤسسي طويل الأمد، بعيداً عن المبادرات الظرفية أو الرمزية. فالدعم الطوعي المستمر يعزز استدامة البرامج الحقوقية، ويسهم في تخطيط أكثر فعالية لمواجهة التحديات المستقبلية، سواء في مجالات النزاعات، أو الهجرة، أو التغير المناخي، وما يرتبط بها من تداعيات حقوقية.

وتمثل المساهمة الإماراتية لمكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان نموذجاً متقدماً للدور الذي يمكن أن تلعبه الدول الصاعدة في دعم النظام الدولي القائم على القواعد. فهي خطوة تجمع بين البعد الإنساني والبعد السياسي، وتعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن الاستثمار في حقوق الإنسان هو استثمار في الاستقرار والسلم الدوليين.

وبينما تبقى التحديات العالمية جسيمة، فإن مثل هذه المبادرات تؤكد أن الإرادة السياسية، حين تقترن بالفعل، قادرة على إحداث فارق حقيقي في مسار حماية الكرامة الإنسانية وتعزيزها على المستوى العالمي.