أخبار اليمن

الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 06:07 م بتوقيت اليمن ،،،

حافظ الشجيفي


ما أصعب أن يكتب القلم والدم لم يجف بعد، وما أشق أن يتحدث المنطق في قوم توهموا أن السياسة حياكة من الوهم، أو هي رداء يفصلونه على مقاس أهوائهم ومصالحهم، بينما الشعوب لا تلبس إلا كفنها حين تذود عن حقها، ولا تنتعل إلا شوك القتاد وهي تخوض غمار المنايا دفاعا عن أرضها وهويتها. فالتاريخ لا يكتبه المترفون في قصور المنافي، ولا يسطره الذين اتخذوا من الفنادق العالية صوامع يتعبدون فيها لشهوة السلطة، بل يكتبه ذلك الذي واجه الرصاص بصدر عاري، والذين جعلوا من أجسادهم متاريس تحمي كرامة الوطن حين كان نظام صنعاء يسومهم سوء العذاب، ويظن أن القهر كفيل بوأد الروح التي لا تموت،

فإن العبيد هم الذين يظنون أن الحرية منحة من الحاكم، أما الأحرار فيعلمون أنها انتزاع من براثن الموت، وهكذا ظل الشعب الجنوبي ثلاثة عقود وهو يقدم القافلة تلو القافلة، والجرح تلو الجرح، والشهيد تلو الشهيد، في ملحمة صامتة الأنين صاخبة الفعل، لم يلتفت إليها العالم إلا حين اهتزت الأرض تحت أقدام الغزاة في عام ألفين وخمسة عشر، حينما استبدلوا بصدورهم العارية بنادق قليلة العدد كثيرة العزم، يتداولونها بينهم تداول الأنفاس، فكانت البندقية الواحدة تقاتل في يد عشرة رجال، وكان الإيمان يضاعف قوة الرصاصة حتى صارت القذيفة في وجه دبابات الحوثي ومجنزراته كأنها صاعقة من السماء، فلم يحرروا الأرض بقرارات أممية أو وعود ديبلوماسية، بل طهروها بدم غسل عار الاحتلال وأعاد للحق نصابه.

ومن عجيب هذا الزمان، ومفارقات القدر التي تضحك الثكالى، أن هذا الجيش الذي بني بدموع الأيتام ودماء الجرحى، والذي ما يزال مرابطا على ثغور الحدود يقدم التضحيات تلو التضحيات، يجد نفسه اليوم تحت نيران من كان يرجى منهم العون، فيضرب الطيران الذي ظنه الشعب سياجا له، ليدمر القوة التي كانت وما تزال الدرع الحصين للعروبة كلها في وجه المد الصفوي، كأنما أراد القدر أن يختبر صبر الجنوبيين بمحنة فوق محنة، وبظلم ذوي القربى الذي هو أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند، ثم تكتمل فصول هذه المأساة السياسية بدعوات خاوية تدعو إلى حوار جنوبي يجمع الأضداد، ولكن أي أضداد هؤلاء الذين يجلبونهم من غياهب النسيان ومن أروقة التآمر القديم، فيستحضرون وجوها لم تطأ أقدامها تراب الجنوب منذ أربعين سنة، أو وجوه كانت في يد الجلاد سوطا يضرب به ظهور الأحرار في عهد عفاش، ليأتوا اليوم في ثياب الناصحين أو الممثلين لهذا الشعب الصابر، وكأن دماء الشهداء صارت حبرا يوقعون به عقود صفقاتهم الجديدة، أو كأن الشعب الجنوبي قاصر يحتاج إلى وصاية من غادره في الشدة وجاء ليقاسمه الغنيمة في الرخاء.

فالمنطق الفلسفي للأشياء يرفض أن يكون التابع والمتبوع في كفة واحدة، ويرفض أن يتساوى من بذل النفس بمن بذل الوعود، فكيف يدعى علي ناصر محمد الذي ترك خلفه جراحا لم تندمل ومجازر في رفاقه وشعبه، وكيف يتصدر المشهد بن دغر الذي كان أداة من أدوات القمع والإقصاء، ليقرروا هم ومجموعة من المهاجرين في عواصم الرفاه مستقبل شعب لا يعرفونه إلا من خلال شاشات التلفزة، فهذه الدعوات التي يتبناها العليمي ومن خلفه، ليست إلا محاولة بائسة لتمييع القضية الجنوبية وتفتيت القوة الحقيقية التي فرضت نفسها على الأرض،

وهي محاولة واضحة لتهميش الممثلين الحقيقيين الذين فوضهم الشعب وعمدوا تفويضهم بالدم لا بالحبر، فالحوار الذي لا يستند إلى الحقائق الميدانية ولا يحترم تضحيات الأبطال هو حوار طرشان، يراد منه إنتاج نظام قديم بوجوه مستهلكة، لتظل الأزمة تراوح مكانها ويظل الجنوب رهينة لتوازنات القوى التي لا تنظر إلا لمصالحها الضيقة، فالشعوب التي تحررت بدمائها لا يمكن أن ترهن مستقبلها لمن باعوا حاضرها في أسواق النخاسة السياسية، ولن يكون الجنوب إلا لأهله الصامدين الذين لم يغادروه حين كان الموت يتربص بكل زاوية، فالحق الذي يحميه السيف لا يسقط بجرّة قلم من يد مرتعشة لا تعرف من الوطن إلا اسمه ومن السلطة إلا بريقها.

هل تظن هذه القيادات التي تقبع في فنادقها أن الشعب الذي واجه آلة الحرب بصدور عارية يمكن أن ينخدع بكلمات منمقة عن الوحدة والحوار والوئام والفيدرالية والاقاليم، وهم الذين لم يروا منهم إلا الخذلان أو التآمر، فالوعي الجنوبي اليوم تجاوز مرحلة الوصاية، ولم يعد يقبل أن يكون وقودا لحروب الآخرين ثم يستبعد عند صياغة المستقبل، فالمعادلة تغيرت، والارض التي سقتها دماء الجنوبيين لن تنبت إلا حرية واستقلالا، مهما حاول الطيران أو السياسة أو المؤامرات الدولية حرف المسار، وأي حوار يتجاوز الفاعلين الحقيقيين على الأرض ويستحضر أدوات الماضي ليس إلا حرثا في البحر، وضياعا للوقت، واستخفافا بعقول الناس، فالمستقبل يصنعه الذين يعيشون وجع الأرض، لا الذين يتفرجون عليه من شرفات المنافي والفنادق، والحقيقة الساطعة كشمس الضحى هي أن الجنوب صار رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية أو دولية، ومحاولات إعادة تدوير النفايات السياسية لن تزيد الشعب إلا إصرارا على نيل حقوقه كاملة غير منقوصة، بعيدا عن إملاءات الغرباء أو خيانات الأقرباء.

ألا فليعلم الطامعون والواهمون أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو روح تسري في ضمير الشعوب، والجنوب اليوم يملك روحا لا تقبل الانكسار، وقوة لا تعرف التراجع، وإن غدا لناظره قريب، حيث ينجلي الغبار عن الحق الصراح، ويبقى ما ينفع الناس في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاء، وستبقى تضحيات هؤلاء الأبطال منارة تهدي الأجيال، ووصمة عار على جبين كل من حاول الالتفاف على إرادة شعب قرر أن يعيش حرا أو يموت دون حقه كريما، فلا نامت أعين الجبناء الذين يظنون أن السياسة هي فن الممكن في الخداع، بل هي فن الثبات على المبدأ حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.