عرب وعالم

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 01:56 م بتوقيت اليمن ،،،

العرب


شهدت الحدود السودانية مع جمهورية أفريقيا الوسطى تطورًا أمنيًا غير مسبوق، بعد توغل قوات روسية متمركزة في أفريقيا الوسطى إلى بلدة كركر الواقعة في ولاية شمال دارفور، وهو ما شكل انقلابًا على الواقع الأمني والسياسي في المنطقة.

وأفاد مسؤول محلي بمدينة أم دافوق بأن هذه القوات قامت بطرد عناصر الشرطة والطاقم الإداري التابع لقوات الدعم السريع، في خطوة ألغت الترتيبات السابقة التي كانت قد أبرمت بين الدعم السريع والأطراف المحلية في أفريقيا الوسطى.

ويعد هذا التحرك العسكري تحولًا حادًا في المشهد الأمني للمنطقة الحدودية، إذ يفتح الباب أمام سلسلة من التحديات على مستويات الأمن المحلي والسيادة الوطنية والتوازن الإقليمي، ويطرح تساؤلات حول قدرة الخرطوم على التحكم في الحدود ومواجهة النفوذ المتنامي لقوى أجنبية.

ويشكل التوغل الروسي في كركر واقعًا أمنيًا جديدًا، إذ أدى طرد قوات الشرطة والدعم السريع إلى خلق فراغ قد تستغله جماعات مسلحة محلية أو قوى إقليمية منافسة، ما يزيد من احتمالات النزاعات والاشتباكات على طول الحدود.

ويمثل الوجود الروسي المباشر على الأراضي السودانية تحديًا لقدرة القوات السودانية على فرض القانون والسيطرة على المنافذ الحدودية الحيوية، ويعقد أي ترتيبات أمنية كانت قائمة بين الفصائل المحلية والدعم السريع قبل هذا التدخل.

ومن شأن هذا الواقع الجديد أن يزيد من هشاشة الأوضاع في دارفور والمناطق الحدودية مع أفريقيا الوسطى، ويجعل من الصعب على الحكومة السودانية الحفاظ على توازنها الأمني والسياسي في تلك المناطق، خصوصًا في ظل تعقيد العلاقات مع الأطراف الإقليمية والدولية التي لها مصالح متقاطعة في المنطقة.

وسياسيًا، يمثل التوغل الروسي تحديًا مزدوجًا للخرطوم، فهو يضعها أمام ضغوط لإعادة التفاوض مع موسكو حول حدود النفوذ العسكري وسيطرة القوات على المعابر الحيوية، ويثير تساؤلات حول قدرة السودان على الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه. كما يعقد هذا الوضع أي حوار دبلوماسي محتمل مع القوى الإقليمية ويجعل أي اتفاقيات أمنية مستقبلية أكثر حساسية.

وعلاوة على ذلك، فإن النفوذ العسكري الروسي يعيد رسم التحالفات التقليدية، ويجعل بعض الفصائل المحلية التي كانت تتعاون مع الدعم السريع أو الشرطة السودانية مضطرة للتكيف مع الواقع الجديد، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني ويؤثر على قدرة الحكومة على فرض استراتيجياتها الأمنية.

وتتجاوز تداعيات التوغل الروسي بلدة كركر لتصل إلى إقليم دارفور، الذي يعاني منذ سنوات من توترات داخلية مستمرة بين الحكومة والفصائل المحلية المسلحة. فالواقع الجديد قد يكون عامل تصعيد إضافي، إذ يمكن أن يعيد ترتيب التحالفات بين الفصائل المسلحة ويشجع بعض الأطراف على استغلال النفوذ الروسي لتحقيق مكاسب سياسية أو إقليمية، وربما فتح ملفات النزاعات القديمة من جديد.

كما يعقد هذا الوضع جهود الحكومة السودانية لضبط الحدود ومنع التهريب أو التدخلات المسلحة العابرة للحدود، ويجعل أي ترتيبات تهدئة قائمة صعبة التطبيق، ما يستلزم إعادة تقييم استراتيجيات الأمن الحدودي، بما في ذلك تعزيز الانتشار العسكري وتكثيف المراقبة وتنظيم دوريات مشتركة مع شركاء إقليميين.

ويمثل التوغل الروسي أيضًا جزءًا من استراتيجية موسكو الأوسع لتوسيع نفوذها العسكري في المنطقة، بما يضمن مواقع استراتيجية على طول الحدود السودانية-الأفريقية.

ويشير هذا التوغل إلى أن روسيا لا تكتفي بالتمركز في أراضي حليفتها التقليدية، بل تسعى لإعادة رسم خرائط النفوذ العسكري والسياسي في مناطق غير مستقرة، بما يعزز موقعها الإقليمي ويزيد من تأثيرها على القرار المحلي في السودان وأفريقيا الوسطى.

كما يعكس وجود القوات الروسية في كركر قدرة موسكو على فرض واقع جديد على الأرض بسرعة وفعالية، ويجعل أي محاولة للتفاوض أو إعادة ترتيب السيطرة المحلية أكثر صعوبة.

وتتجاوز تداعيات التوغل الروسي حدود السودان لتطال المنطقة الإقليمية بأكملها، إذ قد يثير القلق لدى دول الجوار مثل تشاد وأفريقيا الوسطى، التي قد ترى في النفوذ الروسي تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية والأمنية.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى زيادة التوترات بين القوى الإقليمية وخلق منافسة عسكرية جديدة على طول الحدود، بما يزيد من مخاطر النزاعات العابرة للحدود.

كما يمكن أن يؤثر أي تصعيد على الأمن الداخلي السوداني، خصوصًا في ظل وجود جماعات مسلحة محلية قادرة على استغلال الفراغ الأمني لتحقيق مكاسب سياسية أو إقليمية، وربما إعادة فتح النزاعات القديمة في دارفور والمناطق الحدودية الشمالية.

ويمثل توغل القوات الروسية في كركر تحولًا جوهريًا في المشهد الأمني والسياسي على الحدود السودانية، إذ لا يشير طرد الشرطة وقوات الدعم السريع إلى فقدان السيطرة الميدانية فقط، بل يعكس أيضًا تعقيد التوازنات الأمنية والسياسية ويجعل أي تدخل دبلوماسي أو أمني أكثر صعوبة.

ويظل المستقبل مرتبطًا بمدى قدرة الحكومة السودانية على إدارة الأزمة بذكاء دبلوماسي وتجنب تصعيد مباشر مع موسكو، وتعزيز قدراتها الأمنية، وتثبيت الترتيبات مع شركائها الإقليميين لمنع أي تصعيد إضافي، وموازنة النفوذ الإقليمي بين القوى المحلية والدولية لضمان عدم استغلال الواقع الجديد لمصالح ضيقة.

وإذا لم تتمكن الخرطوم من التعامل مع الوضع الجديد بحزم وفعالية، فإن المنطقة الحدودية قد تشهد تصاعدًا في التوترات وربما اندلاع صراعات أوسع تؤثر على استقرار دارفور والمناطق المحيطة، بما يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي بأكمله ويضع السودان أمام تحديات استثنائية على المستويين الأمني والسياسي.