منوعات

الأحد - 25 أكتوبر 2026 - الساعة 04:04 م بتوقيت اليمن ،،،


في الوقت الذي تتجه فيه أنظار المجتمع الدولي نحو ترقب ضربة عسكرية محتملة قد تستهدف المنشآت النفطية أو النووية الإيرانية، تكشفت في كواليس أجهزة الاستخبارات الغربية ملامح استراتيجية ردع إيرانية جديدة وصفت بـ "الأكثر تدميراً للاقتصاد العالمي". الاستراتيجية لا تعتمد هذه المرة على الصواريخ الباليستية أو المسيرات الانتحارية لضرب ناقلات النفط في مضيق هرمز، بل تستهدف "عصب الحياة الحديثة"؛ شبكة كابلات الإنترنت البحرية العملاقة التي تمر عبر قاع المضيق والخليج العربي.

وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع إعلان طهران الأخير عن تحول جذري نحو "عقيدة عسكرية هجومية"، وهو ما يفسر – بحسب مصادر دبلوماسية في واشنطن – صدور أوامر أميركية سرية ومشددة لإجلاء عائلات الدبلوماسيين وبعض الموظفين غير الأساسيين من عدة عواصم خليجية، إثر معلومات استخباراتية تشير إلى أن طهران وصلت إلى مراحل متقدمة في رسم سيناريوهات انتقامية غير تقليدية.

يمر عبر منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً عبر مضيق هرمز وباب المندب، ما يقرب من 15% إلى 20% من حركة الإنترنت العالمية. ووفقاً لتقارير أمنية مسربة، فإن طهران حددت بدقة إحداثيات 7 كابلات إنترنت بحرية رئيسية تربط قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، وتمر مباشرة في نطاق نفوذها البحري أو بالقرب من مياهها الإقليمية.

ويرى خبراء أمنيون أن هذه الكابلات تحولت إلى "رهينة استراتيجية" جديدة. ففي حال تعرضت البنية التحتية الإيرانية لضربة عسكرية أو اقتصادية خانقة – كفرض حصار بحري كامل على موانئها النفطية – فإن خيار "قطع الإنترنت عن العالم" يمثل أداة انتقام فورية وقليلة التكلفة مقارنة بالمواجهة العسكرية المباشرة مع الأساطيل الغربية.

يقول سير جيمس كليفرلي، الباحث في مركز الدراسات الأمنية بواشنطن والمستشار السابق للناتو "إن استهداف كابلات الإنترنت البحرية هو السلاح السري لإيران في حرب الجيل الخامس. العالم يعتقد أن هرمز مجرد شريان للنفط، لكنه في الحقيقة شريان للبيانات والتحويلات المالية المصرفية. قطع هذه الكابلات يعني شللاً فورياً للأسواق المالية العالمية، وتوقفاً تاماً لسلاسل الإمداد الرقمية بين الشرق والغرب".

تثير القدرات البحرية غير التقليدية للحرس الثوري الإيراني قلقاً عميقاً لدى المخططين العسكريين في البحرية الأميركية والبريطانية. فخلافاً للمياه العميقة في المحيطات، تتميز مياه الخليج العربي ومضيق هرمز بأنها ضحلة نسبياً (يتراوح عمقها بين 40 إلى 100 متر)، مما يجعل الكابلات البحرية هدفاً سهلاً للغواصات الإيرانية الصغيرة من طراز "غدير" وسفن السطح السريعة، بالإضافة إلى وحدات الضفادع البشرية المتخصصة في العمليات التخريبية تحت الماء.

وأشار مسؤول أمني أوروبي رفيع المستوى إلى أن "التقييمات الأخيرة تؤكد أن الحرس الثوري الإيراني أجرى خلال الأشهر الستة الماضية مناورات سرية تحاكي رصد وقطع خطوط الاتصالات القاعية. إيران لا تحتاج إلى تكنولوجيا بالغة التعقيد لتنفيذ هذا التهديد؛ فمعدات تجارية بسيطة أو عبوات متفجرة بدائية يتم إسقاطها في نقاط التقاء الكابلات كفيلة بإدخال العالم في مظلمة رقمية لأسابيع".

الخلفية التاريخية لهذا التهديد ترتبط بالاحتكاكات المستمرة في الممرات المائية للشرق الأوسط. ولطالما لوحت طهران بإغلاق مضيق هرمز ومنع تدفق النفط (الذي يمثل خُمس الاستهلاك العالمي)، لكن التحولات الاقتصادية العالمية جعلت الاعتماد على البيانات لا يقل أهمية عن الاعتماد على الطاقة.

ومع تصاعد حدة التوتر ودراسة واشنطن لخيارات عسكرية مشددة تشمل الحصار البحري الشامل للموانئ الإيرانية، أدركت طهران أن التهديد النفطي التقليدي قد يجابه برد عسكري دولي ساحق وقانوني تحت لافتة "حماية حرية الملاحة". بناءً على ذلك، يمثل التخريب تحت البحري خياراً رمادياً يمنح إيران ميزة "الإنكار الصادم"، حيث يصعب إثبات الفاعل فوراً في حوادث قاع البحر، مما يربك الحسابات السياسية والعسكرية لخصومها.

وتشير أحدث التقارير الاستخباراتية إلى أن هذه المناورة الإيرانية تأتي كخط دفاعي أخير لحماية عمقها الاستراتيجي، بعد أن أبدت دول غربية وعربية إصراراً على تحجيم النفوذ الإقليمي لطهران وحلفائها في اليمن ولبنان وفلسطين.

وإذا ما أقدمت طهران على تنفيذ هذا السيناريو، فإن التبعات لن تقتصر على بطء تصفح الإنترنت، بل ستضرب عصب الاقتصاد العالمي في مقتل.

وقد يتسبب الأمر في شلل القطاع المصرفي، إذ ستتوقف مئات المليارات من الدولارات من التحويلات المالية اليومية بين البنوك الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على خطوط الاتصال فائقة السرعة المارة عبر المنطقة.

كما ستواجه شركات الشحن البحري قفزات جنونية في أسعار التأمين، مما يعزز الركود التضخمي العالمي، خاصة مع وصول أسعار خام برنت بالفعل إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر.

كما سيجبر هذا التهديد القوى الدولية على إعادة توجيه قطعها البحرية ومعدات المراقبة من حماية أسطح المياه إلى حماية قاع البحر، وهي مهمة تتطلب إمكانات تكنولوجية هائلة ومكلفة للغاية.

أمام هذا المشهد المعقد، تجد العواصم الغربية نفسها أمام معضلة حقيقية؛ فكيف يمكن ردع دولة تضع يدها على زر يفصل القارات رقمياً؟

يرى مراقبون في لندن أن الرسائل التحذيرية الصارمة التي وجهها وزراء خارجية أوروبيون وعرب لواشنطن وتل أبيب مؤخراً من مغبة الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إيران، لم تكن تنبع فقط من الخوف على إمدادات النفط، بل كانت مدفوعة بالتقارير المرعبة حول ضعف البنية التحتية للاتصالات العالمية أمام التهديدات الإيرانية تحت البحر.

وبينما ينتظر الشرق الأوسط ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تصعيد ميداني أو تسويات تحت الطاولة، يبقى الثابت الوحيد أن مفهوم "الأمن الإقليمي" قد تجاوز حدوده التقليدية، ليصبح مرتبطاً بسلامة حزم الألياف الضوئية القابعة في قاع الخليج، بقدر ارتباطه بأمن حقول النفط وممرات الناقلات فوق سطحه