عرب وعالم

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 06:25 م بتوقيت اليمن ،،،


لا تبدو جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخليجية مجرد تحرك دبلوماسي لتأمين إمدادات الطاقة واستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، بل تأتي أيضاً في توقيت تتزايد فيه حساسية الداخل الفرنسي تجاه ارتفاع أسعار الوقود وكلفة المعيشة. فاضطراب أحد أهم ممرات الطاقة في العالم لم يعد بالنسبة إلى باريس أزمة بعيدة جغرافياً، بل عاملاً يضغط على الاقتصاد والحياة اليومية، ويضع قدرة الحكومة على احتواء الغضب الاجتماعي أمام اختبار جديد.

ويبدأ ماكرون، الاثنين، جولة تشمل الكويت والإمارات والبحرين وقطر، تستمر حتى 21 أكتوبر، سعياً إلى تعزيز التنسيق مع قادة الخليج بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، إلى جانب توسيع الشراكات الاقتصادية والدفاعية. ووفق الإليزيه، تشمل المباحثات تنويع مصادر الإمداد وتأمين طرق النقل، مع التركيز على الحصول على كميات إضافية من النفط والديزل، في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة الشحن عبر مضيق هرمز منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير الماضي.

وتتقاطع هذه الأهداف الخارجية مع تحديات داخلية لا تقل حساسية. فارتفاع أسعار الوقود لا ينعكس فقط على فاتورة تنقل الأسر، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع، بما يضعف القدرة الشرائية ويزيد الضغط على الحكومة. ومن هنا، تكتسب الجولة الخليجية بعداً يتجاوز الدبلوماسية التقليدية: محاولة تأمين إمدادات مستقرة في الخارج لتخفيف جانب من الضغوط الاقتصادية في الداخل.

وتدرك باريس أن استعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز لا تتصل بمصالح دول الخليج وحدها، بل بأمن الطاقة الأوروبي وباستقرار الأسواق العالمية. ويمر عبر المضيق نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والسوائل النفطية، فضلاً عن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي تعطيل مطول لحركة السفن عاملاً مباشراً في تقلب الأسعار وتكاليف التأمين والشحن.

وتسعى فرنسا إلى الجمع بين المسار الدبلوماسي والتنسيق الدولي لتأمين الممرات البحرية، من دون أن تتحول حماية الملاحة إلى مواجهة عسكرية أوسع. وفي هذا السياق، اتفق قادة مجموعة السبع، خلال اجتماع عبر الاتصال المرئي دعا إليه ماكرون في الثاني من أكتوبر، على مواصلة الجهود لاستعادة حرية الملاحة، إلى جانب الإفراج عن احتياطيات استراتيجية من النفط الخام والمشتقات المكررة تصل إلى 100 مليون برميل خلال أربعة أشهر، بهدف الحد من ارتفاع الأسعار.

لكن الاحتياطيات الاستراتيجية تظل أداة لتخفيف الصدمات، لا بديلاً دائماً عن استقرار الإمدادات. فإذا استمر تعطيل الملاحة أو اتسعت المواجهة لتشمل منشآت الطاقة، فقد تواجه الأسواق ضغوطاً يصعب احتواؤها بإجراءات الطوارئ وحدها. لذلك تراهن باريس على علاقاتها مع دول الخليج لتأمين إمدادات إضافية، بالتوازي مع دعم المساعي الرامية إلى خفض التصعيد.

ولا يعني ذلك أن الدول الخليجية تستطيع وحدها ضمان انخفاض الأسعار في فرنسا؛ فأسعار الوقود تتأثر أيضاً بأسعار النفط العالمية، وتكاليف التكرير والنقل والضرائب وهوامش التوزيع. غير أن تنويع الإمدادات وتجنب اضطراب طويل في الملاحة قد يحدان من المخاطر التي تواجه السوق الفرنسية.

يأتي التحرك الخارجي في وقت يواجه فيه ماكرون ضغوطاً اجتماعية وسياسية بشأن القدرة الشرائية، في ظل احتجاجات وغضب مرتبطين بتكاليف المعيشة. وقد سعى الرئيس الفرنسي في خطابه الأحد إلى الجمع بين التشدد تجاه أعمال العنف والتخريب، والإقرار بأن المطالب الاجتماعية المشروعة تستدعي الاستماع والمعالجة.

ويعكس هذا التوازن صعوبة إدارة الأزمة: فالحزم الأمني قد يستهدف الحد من العنف، لكنه لا يعالج الأسباب الاقتصادية التي تغذي السخط. وفي المقابل، فإن التعهدات الاجتماعية أو الإجراءات المؤقتة لتخفيف أسعار الوقود قد لا تكون كافية إذا ظلت الأسر تشعر بأن دخلها يفقد قدرته على مواكبة تكاليف المعيشة.

ومن المهم عدم اختزال الاحتجاجات في أزمة هرمز وحدها؛ فالضغوط الاجتماعية تتداخل فيها عوامل داخلية، من بينها الأجور والضرائب وتكاليف السكن والخدمات، إلى جانب الصدمات الخارجية. لكن اضطراب الطاقة يضيف عاملاً جديداً إلى هذه الضغوط، لأنه يرفع كلفة النقل والإنتاج ويحد من هامش المناورة المتاح للحكومة.

وبذلك، تصبح نتائج الجولة الخليجية ذات أهمية سياسية داخلية، حتى إن لم تكن الاحتجاجات سبباً مباشراً في تنظيمها. فتأمين الإمدادات قد يساعد على الحد من انتقال صدمة الطاقة إلى الاقتصاد الفرنسي، لكنه لا يضمن وحده استعادة الثقة أو إنهاء الاحتقان الاجتماعي.

ولا تنحصر حسابات باريس في الحصول على شحنات إضافية من النفط والديزل، إذ تسعى الجولة أيضاً إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والدفاعية مع دول الخليج، وتوسيع حضور الشركات الفرنسية في أسواقها، وتشجيع الاستثمارات الخليجية في فرنسا. وتوفر العلاقات مع الكويت والإمارات والبحرين وقطر مسارات للتعاون في الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والدفاع، بما يمنح الزيارة أبعاداً اقتصادية تتجاوز الاستجابة الآنية لأزمة الملاحة.

وتكتسب الإمارات أهمية خاصة في هذا المسار، بالنظر إلى التعاون القائم بين البلدين في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة، فيما تتيح المحادثات مع قطر والبحرين والكويت توسيع التنسيق في الاستثمار والأمن والدفاع. لكن تحويل هذه العلاقات إلى مكاسب سريعة في سوق الوقود يتوقف على توافر الإمدادات، وشروط التعاقد، وقدرة طرق النقل على العمل بصورة مستقرة.

كما أن تعزيز الشراكات الخليجية لا يعفي باريس من معالجة نقاط ضعفها الداخلية، سواء عبر تنويع مصادر الطاقة على المدى الطويل أو تحسين قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية. فالأزمة الحالية تكشف أن أمن الطاقة لم يعد مسألة مرتبطة بتوافر الموارد فقط، بل بسلامة الممرات البحرية، والقدرات التكريرية، وكلفة النقل، ومدى قدرة الحكومات على حماية المستهلكين من تقلبات الأسواق.

وكان ماكرون قد دعا قادة مجموعة السبع إلى تنسيق الاستجابة لارتفاع أسعار الوقود، وانتهى اجتماع الثاني من أكتوبر إلى الاتفاق على الإفراج عن احتياطيات استراتيجية تصل إلى 100 مليون برميل خلال أربعة أشهر، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، إلى جانب مواصلة الجهود لاستعادة حرية الملاحة في هرمز.

غير أن هذه الإجراءات لا تقدم حلاً نهائياً إذا بقيت أسباب الأزمة قائمة. فالإفراج عن المخزونات يخفف نقص الإمدادات مؤقتاً، بينما يتطلب خفض المخاطر بصورة مستدامة تهدئة المواجهة الإقليمية وضمان عودة حركة الشحن إلى طبيعتها. وهذا ما يجعل الجولة الخليجية مرتبطة بمسار أوسع لا تستطيع باريس التحكم فيه بمفردها.

وفي الداخل، يواجه الرئيس الفرنسي معادلة موازية. فقد أدان في خطابه الأحد أعمال العنف والتخريب التي رافقت احتجاجات السبت، وأكد ضرورة حماية المدن والمتاجر، لكنه أقر في الوقت نفسه بوجود مطالب تستدعي الاستماع إليها، معلناً تحركات دولية لتأمين الوقود، ومكلفاً رئيس الوزراء تنسيق الاستجابة للأزمة.

وتكشف هذه المعادلة أن نجاح ماكرون لا يقاس فقط بنتائج اجتماعاته مع القادة الخليجيين أو بالاتفاقات الاقتصادية التي قد تُعلن خلالها، بل أيضاً بمدى انعكاس أي تحسن في إمدادات الطاقة على الأسعار التي يدفعها الفرنسيون. فالتأخر في ظهور نتائج ملموسة قد يوسع الفجوة بين التحرك الدبلوماسي وتوقعات الشارع، بينما يظل احتواء الاحتجاجات مرتبطاً بمعالجة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، لا بالتشدد الأمني وحده.

وبذلك، تمثل الجولة اختباراً مزدوجاً للرئاسة الفرنسية: قدرة على توظيف الشراكات الخليجية لتخفيف صدمة الطاقة، وقدرة على ترجمة التحرك الخارجي إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وبينما لا تستطيع باريس ضمان تسوية سريعة لأزمة هرمز، فإنها تحاول منع استمرارها من التحول إلى عبء اقتصادي وسياسي أشد كلفة في الداخل.