منوعات

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 01:28 م بتوقيت اليمن ،،،


بعد نحو 15 عاماً من الغياب، عادت أصالة نصري إلى دمشق لتغني أمام جمهور سوري انتظر طويلاً هذه اللحظة، لكن عودتها لم تكن مجرد مناسبة فنية. فالحفل الذي حمل عنوان «عودة الأصالة» تحول إلى مشهد يعكس التباين حول صورة سوريا الجديدة وحدود المجال الثقافي فيها، بعدما اصطدم الاحتفاء الرسمي بالفنانة بحملات دينية طالبت بإلغاء الحفل لأسباب تتعلق بالموسيقى والاختلاط والقيم الاجتماعية.

وأحيت أصالة حفلها في صالة الفيحاء بدمشق، في أول ظهور لها في بلدها منذ عام 2010، وسط حضور جماهيري واسع، وبرعاية وزارة الثقافة السورية ونقابة الفنانين. وكانت الوزارة قد أعلنت دعمها للحفل باعتباره جزءاً من عودة النشاط الفني والثقافي إلى البلاد، فيما نفدت تذاكره خلال فترة قصيرة، في مؤشر على الاهتمام الشعبي بعودة الفنانة إلى مدينتها.

لكن عودة أصالة جاءت أيضاً في ظل جدل يكشف أن استعادة الحياة الفنية في سوريا لن تكون مسألة ثقافية خالصة. فقد ظهرت حملات من دعاة وشخصيات دينية متشددة طالبت بإلغاء الحفل، واعتبرت الغناء والفعاليات الفنية مناقضة للقيم التي تريد هذه الأصوات ترسيخها في المجتمع. ووصلت الاعتراضات إلى مواقع التواصل والشارع، مع دعوات لمقاطعة الحفل وتمزيق بعض ملصقاته في دمشق.

ويقود رجل الدين هاني دهب، المعروف باسم «الشيخ الذهبي»، إحدى الحملات التي طالبت بإلغاء الحفل، بينما انتقد الداعية السلفي عبدالرزاق المهدي إقامة الحفل ووصفه بأنه يتعارض مع رؤيته الدينية. كما صدرت اعتراضات من جهات دينية أخرى. وتظهر هذه المواقف وجود تيار محافظ ومتشدّد يريد أن يكون له حضور في تحديد طبيعة الفعاليات العامة، لكن من غير الدقيق اختزال السلطة الجديدة أو المجتمع السوري كله في هذه المواقف.

في المقابل، كان الموقف الرسمي مختلفاً بوضوح. فقد واصلت وزارة الثقافة رعايتها للحفل، وزار وزير الثقافة محمد ياسين صالح صالة الفيحاء للاطلاع على التحضيرات، فيما أشاد مستشار إعلامي للرئاسة السورية بأصالة قبل موعد الحفل، في إشارة إلى أن إقامة الفعالية لم تكن خارج الحسابات الرسمية.

وتكتسب عودة أصالة رمزية إضافية بسبب تاريخها السياسي. فقد أعلنت الفنانة موقفاً مؤيداً للاحتجاجات السورية منذ بدايتها عام 2011، ورفضت المشاركة في فعاليات مؤيدة للنظام السابق، وهو ما أدى إلى إجراءات بحقها ومنع أعمالها في مرحلة الأسد. وبعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، عادت صورتها تدريجياً إلى المجال العام السوري، وأصبحت عودتها إلى دمشق مرتبطة لدى مؤسسات ثقافية سورية بفكرة استعادة فنانين ارتبطوا بمواقف المعارضة.

ولذلك لم يكن غريباً أن تختار أصالة نفسها لغة «التشافي» في مخاطبة جمهورها. وقالت خلال الحفل إن السوريين بدأوا مرحلة التشافي، وإنها ترى أن الفن والموسيقى واحترامهما يمكن أن يكونا جزءاً من هذه العملية. وهي عبارة تختصر، في جانب منها، الوظيفة التي تريد الفنانة أن تمنحها لعودتها: ألا تكون استعادة لماضٍ فني فقط، وإنما مساهمة في تجاوز مرحلة الانقسام.

غير أن هذا الطموح يصطدم بسؤال أكبر يتعلق بقدرة الدولة الجديدة على إدارة الاختلاف داخل المجتمع. فعودة الحفلات والمهرجانات ليست مجرد قرار تنظيمي، كما أن الاعتراض عليها ليس مجرد خلاف حول الذوق الموسيقي. عندما تنتقل الاعتراضات من رفض الحضور إلى المطالبة بمنع الآخرين من الحضور، تصبح القضية مرتبطة بحدود المجال العام ومن يملك حق تحديد ما يجوز عرضه في الفضاء المشترك.

وتبدو هذه المسألة أكثر حساسية في سوريا التي ما تزال تعيد بناء مؤسساتها بعد سنوات الحرب وسقوط نظام الأسد. فالدولة لا تواجه فقط تحديات إعادة الإعمار وترتيب مؤسسات الحكم، وإنما تواجه أيضاً سؤالاً حول شكل المجتمع الذي تريد بناءه، وكيف يمكن الجمع بين التدين المحافظ وبين التعدد الثقافي والفني والاجتماعي.

ولا تعني رعاية وزارة الثقافة لحفل أصالة أن معركة المجال الثقافي قد حُسمت، كما لا تعني الحملات الرافضة للحفل أنها تمثل موقفاً عاماً داخل السلطة الجديدة. لكن التباين بين الطرفين يكشف مبكراً عن إحدى القضايا التي ستظل حاضرة في المرحلة المقبلة: هل تكون الدولة هي الجهة التي تنظم المجال الثقافي وتحمي حق الاختلاف، أم تسمح بتحول المرجعيات الاجتماعية والدينية إلى سلطة موازية تفرض حدوداً على الفنون والفعاليات العامة؟

وتأتي رمزية أصالة من كونها عائدة من المنفى الفني إلى المدينة التي غادرتها في لحظة سياسية مختلفة تماماً. وهي لذلك تختبر، من حيث لا تريد بالضرورة، مقدار التغيير الذي طرأ على دمشق منذ آخر مرة غنت فيها على مسارحها.

أما الحفل نفسه، فقد انتهى من دون أن يكون مجرد سهرة غنائية. آلاف السوريين حضروا، وغنت أصالة «سوريا جنة»، فيما كرّمها وزير الثقافة بدرع يحمل رموز المحافظات السورية. وكان المشهد أقرب إلى محاولة لاستعادة الفن إلى قلب الحياة العامة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

ويبقى السؤال الأوسع مفتوحاً: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تجعل من الفن مساحة للتشافي واستعادة التنوع، أم أن الخلاف حول حفلة أصالة سيكون مقدمة لمعركة أطول حول حدود الثقافة والحريات في البلاد؟