منوعات

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - الساعة 11:00 ص بتوقيت اليمن ،،،

عدن


يُعد المحامي بدر سالمين باسنيد واحداً من أبرز الشخصيات القانونية في تاريخ عدن الحديث، فقد جمع في مسيرته بين صرامة رجل القانون، وحضور المثقف، وموقف الناشط السياسي والحقوقي، ليكون اسمه مرتبطاً بالدفاع عن العدالة والحريات والحقوق العامة، تاركاً أثراً بارزاً في الحياة القانونية والاجتماعية والسياسية للمدينة.

نشأة عدنية في بيئة ثقافية نابضة

وُلد بدر سالمين باسنيد عام 1943م في حافة الشريف بمدينة كريتر في عدن، وينحدر من أسرة حضرمية الجذور كان لها حضور في المشهد الثقافي والاجتماعي للمدينة.

بدأ تعليمه الأول بحفظ القرآن الكريم في "معلامة الفقي زغير"، ثم انتقل إلى مدرسة بازرعة الخيرية الإسلامية، قبل أن يلتحق بـ مدرسة القديس يوسف العالية (البادري)، حيث ظهرت منذ سنواته المبكرة ملامح تفوقه العلمي وشغفه بالمعرفة.

نشأ باسنيد في بيئة عدنية اتسمت بالحراك الثقافي والفكري والسياسي، وكان منزل الأسرة المعروف باسم "مبرز باسنيد" في كريتر ملتقى للعديد من الشخصيات الفكرية والاجتماعية، ومجلساً أسهم في احتضان النقاشات الثقافية والفنية والنقابية التي شهدتها عدن خلال تلك المرحلة.

بداياته في العمل العام والتأسيس النقابي والسياسي

بدأ بدر باسنيد نشاطه العام في سن مبكرة، حيث انخرط بين عامي 1961 و1965م في العمل النقابي والتربوي، وكان من أبرز المشاركين في تأسيس الاتحاد الشعبي الديمقراطي عام 1961م، الذي عُدّ من أوائل التنظيمات السياسية الحديثة في عدن.

كما كان من مؤسسي نقابة المعلمين ضمن إطار النقابات الست في تلك الفترة، وأسهم في بناء العمل النقابي والدفاع عن قضايا المعلمين والحقوق المهنية للعاملين في المجال التربوي.

دراسة القانون وبناء المسيرة القضائية

في يوليو 1965م ابتُعث بدر باسنيد إلى موسكو لدراسة القانون، وهناك واصل تحصيله الأكاديمي حتى حصل على درجة الماجستير في القانون بامتياز، ليعود إلى عدن عام 1970م حاملاً معه تأهيلاً قانونياً رفيعاً، ويبدأ مرحلة جديدة من مسيرته في القضاء والعمل العدلي.

عمل في بداية حياته المهنية قاضياً جزئياً خلال الفترة 1970–1972م، ثم تولى مسؤوليات قانونية في مجال القضايا الجنائية بالادعاء العام، مستفيداً من خبرته العلمية والعملية.

كما كان له دور بارز في تأسيس معهد القضاء لتأهيل القضاة الشرعيين، حيث تولى إدارته والتدريس فيه، وقدم محاضرات في قانون العقوبات والدستور، وأسهم في إعداد جيل من رجال القضاء والقانون.

الاعتقال والتحول إلى مهنة المحاماة

في عام 1978م، وبعد استشهاد سالمين، تعرض بدر باسنيد للاعتقال في سجن الأمن السياسي، قبل أن يُفرج عنه في أغسطس 1979م.

وفي يوليو 1980م قدم استقالته من العمل الرسمي، واختار التفرغ الكامل لمهنة المحاماة، ليبدأ مرحلة جديدة أصبح خلالها واحداً من أشهر المحامين في عدن، بما امتلكه من خبرة قانونية واسعة وشخصية عُرفت بالاستقلالية والجرأة والتمسك بمبادئ العدالة.

المحاماة.. دفاع عن الإنسان والحقوق

لم ينظر بدر باسنيد إلى المحاماة باعتبارها مجرد وظيفة، بل اعتبرها رسالة للدفاع عن الحق وصون كرامة الإنسان، فخاض العديد من القضايا العامة، وظل حاضراً في القضايا المرتبطة بالحريات وحقوق المواطنين.

وكان من أبرز المحامين الذين وقفوا إلى جانب صحيفة الأيام ورئيس تحريرها هشام باشراحيل أمام المحاكم في القضايا التي واجهتها الصحيفة وكتابها، كما عُرف بكتاباته ومواقفه التي تناولت قضايا المجتمع والقانون والحقوق.

كما ارتبط اسمه بالدفاع عن قضايا أبناء الجنوب وحقوقهم، وكان من مؤسسي اللجنة الشعبية التي اعتُبرت من البدايات الأولى للتحرك الشعبي والسياسي المناهض لسياسات نظام صنعاء بعد حرب 1994م.

وفي الجانب الصحفي، كان شقيقه الأكبر عائض باسنيد يرأس تحرير صحيفة "المستقبل"، ما يعكس حضور الأسرة في المجالين القانوني والإعلامي.

إرث قانوني وإنساني خالد

رحل المحامي بدر سالمين باسنيد في العاصمة عدن مساء 31 مارس 2018م، بعد حياة حافلة بالعطاء في ميادين القانون والقضاء والعمل العام.

ترك خلفه إرثاً قانونياً وإنسانياً كبيراً، وظل نموذجاً للمحامي الذي جمع بين العلم والموقف، وبين قاعة المحكمة وقضايا المجتمع، ليبقى اسمه واحداً من الأسماء التي رسخت حضور عدن في مجال القانون والعدالة والحقوق.

لقد كان بدر باسنيد فارساً للكلمة القانونية، وحارساً لميزان العدالة، وشخصية عدنية تركت بصمتها في ذاكرة المدينة وأجيالها.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة