أسعار الصرف - اليمن

الأربعاء - 05 أغسطس 2026 - الساعة 08:18 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


رغم الهدوء النسبي الذي شهدته أسواق الغذاء العالمية خلال الأشهر الماضية، تتزايد المؤشرات على أن هذا الاستقرار قد لا يدوم طويلاً.

وبحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، يقترب العالم من موجة جديدة من تضخم أسعار المواد الغذائية، مدفوعة بتداخل عوامل جيوسياسية ومناخية واقتصادية، في مقدمتها الحربان في إيران وأوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات أسواق الأسمدة، إضافة إلى التأثيرات المتوقعة لظاهرة النينيو.

ويحذر خبراء المنظمة من أن هذه العوامل قد تعيد إلى الأذهان موجة التضخم الغذائي التي شهدها العالم في عام 2022، عندما ارتفعت أسعار الحبوب والزيوت والسلع الأساسية إلى مستويات قياسية، وأثرت بشكل مباشر في معدلات التضخم ومستويات الأمن الغذائي في عشرات الدول.

وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة، ماكسيمو توريرو، إن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء، موضحاً أن انعكاسات التطورات الجيوسياسية الحالية لن تظهر فوراً على رفوف المتاجر، لكنها ستبدأ بالظهور تدريجياً خلال الأشهر المقبلة.

وأوضح أن انتقال تأثير ارتفاع أسعار السلع الأولية إلى أسعار الغذاء النهائية يستغرق عادة ما بين ثلاثة وستة أشهر، وهو ما يعني أن نهاية عام 2026 قد تشهد بداية موجة ارتفاع جديدة، على أن تصبح أكثر وضوحاً خلال عام 2027.

ويأتي هذا التحذير في وقت لا تزال فيه أسعار الغذاء العالمية مستقرة نسبياً مقارنة بذروة التضخم السابقة، بل إن بعضها ساهم في تخفيف الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة. إلا أن الفاو ترى أن هذا الهدوء مؤقت، وأن الأسواق بدأت بالفعل تستشعر تأثير ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.

وتمثل أسعار الطاقة أحد أهم العوامل التي تتحكم في تكلفة إنتاج الغذاء عالمياً، إذ يدخل النفط ومشتقاته في تشغيل المعدات الزراعية، وضخ المياه، والحصاد، والتخزين، والتعبئة، والنقل، فيما يعد الغاز الطبيعي المادة الأساسية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية.

ويشير توريرو إلى أن اضطرابات منطقة الخليج، ولا سيما المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز، ترفع من مخاطر زيادة أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي في مختلف أنحاء العالم.

كما أن أي اضطراب في إمدادات الأسمدة القادمة من المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها عالمياً، وهو ما يدفع كثيراً من المزارعين إلى تقليص استخدامها، الأمر الذي ينعكس على إنتاجية المحاصيل خلال المواسم المقبلة.

وتزداد هذه الضغوط مع استمرار تداعيات الحرب في أوكرانيا، التي أثرت على أسواق الطاقة والديزل والغاز الطبيعي، بعدما تعرضت البنية التحتية للطاقة في روسيا وأوكرانيا لأضرار كبيرة، مما قلص إمدادات بعض المدخلات الأساسية المستخدمة في الإنتاج الزراعي.

ولا تقتصر آثار ارتفاع تكاليف الإنتاج على الأسعار فقط، بل بدأت تؤثر أيضاً في القرارات الزراعية للمزارعين حول العالم.

وتراجعت بالفعل مساحات زراعة القمح والذرة في عدد من المناطق خلال الأشهر الأولى من الحرب الأميركية على إيران، بينما اتجه بعض المنتجين في الولايات المتحدة إلى زراعة فول الصويا، باعتباره أقل استهلاكاً للأسمدة، وبالتالي أقل تكلفة في ظل ارتفاع أسعارها.

ويحذر خبراء الزراعة من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج بعض الحبوب الرئيسية، وهو ما قد يفاقم الضغوط على الأسواق العالمية خلال العام المقبل.

وإلى جانب الحروب والطاقة، تبرز ظاهرة النينيو كعامل رئيسي آخر يهدد استقرار الأسواق الزراعية

وتتوقع الفاو أن تكون الظاهرة المناخية قوية هذا العام، بما يؤدي إلى تغيرات واسعة في أنماط هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية.

ومن شأن هذه التغيرات أن تؤثر على إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القمح والذرة والأرز، فضلاً عن زيادة احتمالات الجفاف في بعض المناطق والفيضانات في مناطق أخرى، وهو ما ينعكس على حجم المعروض العالمي من الغذاء.

وتظهر أولى المؤشرات بالفعل في الهند، حيث تأخر موسم الأمطار الموسمية، مع توقعات بأن تكون كميات الأمطار أقل من المعدلات الطبيعية خلال الشهر الجاري، وهو ما قد يؤثر في إنتاج الأرز، أحد أهم السلع الغذائية المتداولة عالمياً.

وترى الفاو أن ارتفاع أسعار الغذاء لن يقتصر تأثيره على الدول المنتجة أو المستوردة للحبوب، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، لأن أسعار السلع الأولية تحددها الأسواق الدولية، ما يجعل جميع الدول عرضة لارتفاع التكاليف.

ورغم أن الاقتصادات المتقدمة قد تكون أكثر قدرة على دعم المنتجين والمستهلكين عبر برامج الدعم والسياسات المالية، فإن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل ستكون الأكثر تضرراً، نظراً لاعتمادها الكبير على الواردات الغذائية ومحدودية قدرتها على احتواء ارتفاع الأسعار.

كما أن أي زيادة جديدة في أسعار الغذاء قد تؤدي إلى تجدد الضغوط التضخمية على البنوك المركزية، وتزيد من الأعباء المعيشية على الأسر، خصوصاً في الدول التي لم تتعاف بعد من آثار موجة التضخم السابقة.

ولا يقتصر الخطر على ارتفاع الأسعار فقط، بل يمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، إذ تحذر الفاو من أن تراجع المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج قد يدفع عشرات الملايين من الأشخاص إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، خاصة في المناطق التي تعاني أصلاً من النزاعات أو الجفاف أو ضعف سلاسل الإمداد.

وبينما لا تزال الأسواق تحتفظ بدرجة من الاستقرار، تشير المؤشرات إلى أن الأشهر المقبلة قد تحمل تغيرات تدريجية في الأسعار، مع انتقال أثر ارتفاع النفط والأسمدة واضطرابات المناخ إلى تكلفة الإنتاج الزراعي.

وتؤكد هذه التوقعات أن العالم قد يكون مقبلاً على مرحلة جديدة تتداخل فيها الأزمات الجيوسياسية مع التغيرات المناخية، لتشكل معاً ضغوطاً غير مسبوقة على أسواق الغذاء، وتجعل من تحقيق الأمن الغذائي تحدياً أكثر تعقيداً خلال عامي 2026 و2027.