عرب وعالم

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 12:52 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


في تحول لافت في مسار السياسة الأميركية تجاه إيران، تتجه إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو تصعيد الضغوط الاقتصادية إلى مستوى غير مسبوق، بعد أن كشفت تقارير إعلامية عن توجيهاته لمساعديه بالاستعداد لفرض حصار مطول على طهران.

ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن بأن “الخنق الاقتصادي” قد يكون الخيار الأكثر فاعلية وأقل كلفة مقارنة بالبدائل الأخرى، وعلى رأسها المواجهة العسكرية المباشرة أو الانسحاب من مسرح الصراع.

وبحسب ما أوردته وول ستريت جورنال نقلًا عن مسؤولين أميركيين، فإن ترامب ناقش خلال اجتماعات حديثة سبل تشديد الضغط على الاقتصاد الإيراني، مع التركيز على تقويض صادرات النفط، التي تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة بالنسبة لطهران.

ويقوم هذا التصور على فرض قيود صارمة على حركة الشحن البحري من وإلى الموانئ الإيرانية، بما يقترب من حصار بحري فعلي، يهدف إلى تقليص قدرة إيران على تسويق نفطها والوصول إلى الأسواق العالمية.

ويُنظر إلى هذا الخيار، وفق التقديرات داخل الإدارة الأميركية، باعتباره أقل مخاطرة من استئناف الضربات العسكرية، التي قد تشعل مواجهة إقليمية واسعة، أو الانسحاب من الصراع، الذي قد يُفسَّر على أنه تراجع استراتيجي.

ومن هنا، تراهن واشنطن على عامل الزمن، عبر إطالة أمد الضغط الاقتصادي لإجبار إيران على تقديم تنازلات في ملفات متعددة، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن تحركات مكثفة لسد الثغرات المتبقية في نظام العقوبات المفروضة على إيران، مع توسيع نطاق الاستهداف ليشمل شبكات مالية دولية مرتبطة بصادرات النفط الإيراني.

وتشمل هذه الجهود توجيه تحذيرات صريحة للبنوك والمؤسسات المالية من التعامل مع ما يُعرف بـ"مصافي إبريق الشاي" في الصين، وهي منشآت صغيرة ومستقلة تعتمد على شراء النفط المخفض من دول خاضعة للعقوبات، وعلى رأسها إيران، ثم تقوم بتكريره وإعادة بيعه.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية تتجه حاليًا إلى الصين، ما يجعل بكين لاعبًا رئيسيًا في هذه المعادلة المعقدة.

وقد أدى استهداف واشنطن لإحدى شركات التكرير الصينية المستقلة إلى تصعيد التوتر بين الجانبين، حيث أكدت وزارة الخارجية الصينية أنها ستدافع عن حقوق ومصالح شركاتها، رافضة ما تعتبره تدخلًا في شؤونها الاقتصادية.

ومن جانبه، شدد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت على أن بلاده تعمل على استهداف البنية التحتية المالية التي تعتمد عليها إيران بشكل متزايد، بما في ذلك شبكات العملات المشفرة، و"أسطول الظل" من ناقلات النفط ذات الملكية غير الواضحة، فضلًا عن قنوات تمويل الميليشيات الحليفة في الشرق الأوسط.

وأوضح أن هذه الإجراءات حرمت طهران من مليارات الدولارات، مؤكدًا أن أي جهة تنخرط في تجارة غير مشروعة مع إيران ستواجه عقوبات أمريكية صارمة.

غير أن هذا التصعيد الاقتصادي لا يجري في فراغ، إذ ترد إيران بدورها عبر أدوات ضغط موازية، أبرزها تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفق النفط والغاز في العالم.

وقد أدت التهديدات والهجمات التي استهدفت ناقلات النفط وسفن الشحن إلى جعل هذا الممر شبه غير قابل للعبور في بعض الفترات، في رسالة واضحة مفادها أن خنق صادرات إيران لن يمر دون كلفة على الأسواق العالمية.

ويعكس هذا التفاعل المتبادل بين الطرفين انتقال الصراع إلى مرحلة “حرب اقتصادية مفتوحة”، حيث يسعى كل جانب إلى استخدام أدواته المتاحة لتحقيق أكبر قدر من الضغط دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.

وفي حين تعمل الولايات المتحدة على تقليص عائدات إيران النفطية وتجفيف مصادر تمويلها، تراهن طهران على قدرتها على الصمود، مستفيدة من شبكات التفاف معقدة وعلاقات تجارية مع شركاء مستعدين لتحمل المخاطر.

ويأتي هذا التصعيد في ظل تعثر المفاوضات بين الجانبين بشأن التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، وهو ما يدفع نحو تكريس منطق المواجهة الاقتصادية كخيار رئيسي في إدارة الأزمة. فغياب أفق سياسي واضح يعزز من احتمالات استمرار هذه الدينامية التصعيدية، حيث تتحول العقوبات والحصار إلى أدوات دائمة بدل أن تكون وسائل ضغط مؤقتة.

ويبدو أن استراتيجية الحصار المطول التي تدرسها واشنطن تمثل رهانًا على إنهاك الاقتصاد الإيراني تدريجيًا، ودفعه إلى نقطة يصعب معها الاستمرار دون تقديم تنازلات. غير أن هذا الرهان لا يخلو من المخاطر، إذ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء من خلال تعزيز تماسك الداخل الإيراني، أو عبر دفع طهران إلى تصعيد أكبر في محيطها الإقليمي.

وبينما تتجه الأنظار إلى كيفية تطور هذه المواجهة، يبقى المؤكد أن الصراع الأميركي الإيراني يدخل مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز “حرب الحصار”، حيث لا تُستخدم الصواريخ بقدر ما تُستخدم الأدوات المالية والتجارية، في معركة طويلة النفس قد تعيد رسم ملامح التوازنات في المنطقة.