عرب وعالم

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 06:29 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


في مداخلة سياسية لافتة خلال فعالية “مؤثري الخليج” التي احتضنتها دبي الاثنين، قدّم د. أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد ال نهيان، قراءة شديدة الوضوح لطبيعة التوتر القائم بين دول الخليج وإيران، معتبراً أن “العدوان الإيراني” لا يمثل مجرد حلقة في سلسلة خلافات إقليمية، بل يشكل “محطة فاصلة في التاريخ الحديث للخليج”، بما يعنيه ذلك من تحولات عميقة في مقاربة الأمن الإقليمي وفي فهم طبيعة التهديدات التي تواجه دول المنطقة.

ولا يندرج هذا التوصيف الذي استخدمه قرقاش فقط في إطار الخطاب السياسي التقليدي، بل يعكس، وفق سياق حديثه، قناعة متنامية لدى بعض دوائر صنع القرار في الخليج بأن المرحلة الراهنة مختلفة جذرياً عن المراحل السابقة، وأن العلاقة مع إيران لم تعد تُقرأ ضمن منطق التوترات الدورية أو الخلافات القابلة للاحتواء، بل ضمن سياق أكثر تعقيداً يرتبط بإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الخليج والشرق الأوسط ككل.

وفي حديثه أمام الحضور، أشار قرقاش إلى أن العلاقات الخليجية مع إيران “كانت دائماً علاقات صعبة”، وهو توصيف يعيد التأكيد على الطابع التاريخي المتوتر لهذه العلاقة، التي تعود جذورها إلى عقود طويلة من التنافس السياسي والنفوذ الإقليمي، سواء في الخليج العربي أو في ساحات إقليمية متعددة.

ولا يتعامل هذا التوصيف مع الأزمة باعتبارها ظرفاً طارئاً، بل باعتبارها حالة مستمرة تحكمها اعتبارات جيوسياسية متراكمة، تتجدد أشكالها من مرحلة إلى أخرى دون أن تتغير بنيتها الأساسية.

غير أن النقطة الأكثر حساسية في خطاب قرقاش كانت تأكيده أن “العدوان الإيراني على دول الخليج كان مبيّتاً”، وهو تعبير يحمل دلالات سياسية وأمنية مباشرة.

ويشير هذا النوع من التوصيف إلى أن الرؤية الخليجية لبعض السياسات الإيرانية باتت تميل إلى اعتبارها سياسات ممنهجة وليست مجرد ردود فعل أو تفاعلات ظرفية، وهو ما يضيف بعداً جديداً لطبيعة الخطاب السياسي في المنطقة خلال المرحلة الحالية.

وفي سياق حديثه، توقف قرقاش عند فكرة محورية تتعلق بسياسات “الاحتواء” التي اعتمدتها دول الخليج على مدى سنوات طويلة في التعامل مع إيران.

ووفق ما طرحه، فإن كل دولة خليجية كانت لديها مقاربة خاصة قائمة على احتواء التوترات ومنع التصعيد، إلا أنه شدد على أن هذه السياسات “فشلت فشلاً ذريعاً”.

ولا يعكس هذا التقييم فقط نقداً لتجربة الماضي، بل يحمل في طياته إشارة إلى مراجعة شاملة للأدوات الدبلوماسية التقليدية التي اعتمدت عليها دول الخليج في إدارة علاقتها مع طهران.

وهذا التحول في الخطاب يمكن قراءته في إطار أوسع يرتبط بإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي في الخليج، حيث لم تعد المقاربات القائمة على التهدئة أو إدارة الخلاف كافية في نظر بعض الفاعلين السياسيين، في ظل ما يعتبرونه استمراراً لمصادر التوتر وعدم الاستقرار.

ومن هنا تأتي أهمية توصيف قرقاش للحظة الحالية باعتبارها “محطة فاصلة”، أي نقطة انتقال من مرحلة إلى أخرى في التاريخ السياسي والأمني للمنطقة.

ويعكس هذا الخطاب أيضاً إدراكاً متزايداً لدى بعض الدول الخليجية بأن البيئة الإقليمية لم تعد قابلة للقراءة بالأدوات القديمة نفسها، خصوصاً في ظل تشابك الملفات الإقليمية وتداخلها، من أمن الطاقة إلى الملاحة البحرية، مروراً بالنفوذ السياسي في عدد من الدول العربية.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن “الفشل الذريع” لسياسات الاحتواء بمثابة تمهيد نظري لإعادة صياغة الاستراتيجيات المستقبلية، سواء على مستوى التحالفات أو أدوات الردع أو حتى نماذج التواصل الدبلوماسي.

ويعكس خطاب قرقاش أيضاً طبيعة التحول في الخطاب السياسي الخليجي الذي بات أكثر مباشرة في توصيف التحديات الإقليمية، وأكثر ميلاً إلى تسمية الأطراف والسياسات بأسمائها الصريحة، بدل الاكتفاء بالعبارات الدبلوماسية التقليدية.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الإقليمي الأوسع الذي شهد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التوترات المتصاعدة، والتي أعادت تشكيل أولويات الأمن في المنطقة.

وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى تصريحات قرقاش بوصفها جزءاً من إعادة ضبط لمعادلة العلاقات الخليجية–الإيرانية، حيث يتم الانتقال تدريجياً من مقاربة “إدارة الخلاف” إلى مقاربة أكثر صرامة في تقييم المخاطر وطرق التعامل معها.

وبينما لا تعني هذه التصريحات بالضرورة القطيعة الدبلوماسية، فإنها تشير إلى مرحلة أكثر حذراً وتعقيداً في إدارة العلاقة بين الطرفين.

ويقدم خطاب أنور قرقاش في دبي قراءة سياسية تعتبر أن ما يجري في العلاقة مع إيران ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحول بنيوي في تاريخ الخليج الحديث. فـ”العدوان المبيّت” كما وصفه، و”فشل سياسات الاحتواء” كما أشار إليه، يضعان المنطقة أمام سؤال كبير حول مستقبل الأمن الإقليمي، وحدود الأدوات التقليدية في إدارة صراعاته، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد ولادة مقاربات جديدة أكثر صرامة أو أكثر شمولاً في التعامل مع التحديات المتصاعدة في الخليج.