أخبار وتقارير

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 12:23 م بتوقيت اليمن ،،،

محمد الصالحين الهوني


في الساعات الأولى من فجر هذا الأحد، كان دونالد ترامب يجلس في قاعة فندق واشنطن هيلتون، محاطا بمئات الصحافيين والمسؤولين في عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض، حين اخترق صوت طلقات نارية الجو الاحتفالي. في ثوانٍ معدودة، أطبق عناصر الخدمة السرية على الرئيس وانتشلوه من على المنصة، فيما ارتمى الحضور تحت الطاولات وسط صراخ رجال الأمن “انبطحوا”.

المشتبه به، المقيم في كاليفورنيا، كان يحمل أسلحة متعددة وسترة واقية من الرصاص، واقتحم نقطة تفتيش أمنية قبل أن تعترضه قوات الأمن وتُوقفه على مسافة من موقع الرئيس.

بعد ساعات قليلة وقف ترامب أمام الكاميرات وقال بنبرة من يعرف كيف يقرأ اللحظات الدرامية: “أعتقد أنني كنت المستهدف. لست من النوع الذي ينهار تحت الضغط. مهنتي ضمن المهن الخطيرة”. ثم أضاف في جملة قد تكون الأهم: “لا علاقة لإيران بهذا”.

الجملة الأخيرة مفتاح لفهم ما يجري اليوم في أخطر ملف تفاوضي تواجهه الإدارة الأميركية منذ سنوات.

في اليوم ذاته الذي شهدت فيه واشنطن تلك الليلة الاستثنائية، كان ترامب قد حدّد موعدا نهائيا للمفاوضات مع إيران: 27 أبريل. توافق التواريخ شكل انعكاسا صادقا لطبيعة لحظة بالغة التشابك، تتقاطع فيها أزمة أمنية داخلية أميركية مع أزمة نووية دولية، وتتداخل فيها حسابات الرجل الذي لا ينهار تحت الضغط مع حسابات نظام لم يُقرّ علنا بما يريده بعد.

منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران في أواخر فبراير، تسير المنطقة على حافة ما يصعب توصيفه بدقة: ليست حرباً شاملة لأن لا أحد يريدها فعلاً، وليست سلاما لأن لا أحد يستطيع القبول بشروط يرفضها الداخل السياسي لديه.

الهدنة التي أعقبت الأربعين يوما من العمليات هي في أفضل تعريفاتها “توقف مسلح” -حالة من البرود المحسوب الذي يتيح لكل طرف أن يدّعي الانتصار علنا ويستعدّ للمرحلة التالية خلف الأبواب المغلقة. مفاوضات إسلام آباد التي استمرت إحدى وعشرين ساعة دون نتيجة، ثم إلغاء ترامب المفاجئ لرحلة مبعوثيه إلى باكستان في اللحظات الأخيرة عقب تلقيه عرضا إيرانيّا وصفه بـ”الأفضل بكثير”، كل هذه التفاصيل تُصوّر مشهدا يفيض بالتوتر الخلّاق الذي قد يُفضي إلى اتفاق أو إلى كارثة، وكلا الاحتمالين حاضر بصورة متساوية.

الموعد النهائي الذي حدده ترامب ليس الأول من نوعه. فالسياسة الخارجية الترامبية تعتمد ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية الإنذار المتجدد” -إعلان مواعيد نهائية ثم تمديدها حين يبدو أن الطرف الآخر يتحرك، وتحديد مواعيد جديدة لتبدأ الدورة مجددا.

هذه الآلية تعمل بصورة مختلفة عن الدبلوماسية التقليدية التي تُحدد المواعيد بناءً على استحقاقات قانونية أو دبلوماسية واضحة. لكنها تعمل، في الحقيقة، لأنها تُبقي الضغط حيّا دون أن تُحرق الجسور، وتُتيح للطرفين مساحة الادعاء بأن لا أحد منهما استسلم.

المشكلة الحقيقية ليست في أسلوب ترامب التفاوضي، بل في العقبات الموضوعية التي تعترض أي اتفاق. فإيران تُصرّ على أن ملف صواريخها الباليستية خارج طاولة المفاوضات، وأن حق التخصيب النووي لا يمكن التفاوض عليه بوصفه حقا سياديا راسخا.

وواشنطن بدورها تُصرّ على أن أي اتفاق يمنح إيران قدرة نووية كامنة هو خسارة إستراتيجية لا يمكن تغليفها بأي خطاب. بين هاذين الإصرارين تقع مساحة التفاوض الحقيقي -أو تغيب. وهي مساحة أضيق مما يوحي به صخب التصريحات المتبادلة، وأوسع مما يُبرر الاستسلام لليأس.

هذا السياق تمثل محاولة الاغتيال متغيرا سيؤثر في الديناميكيات التفاوضية بصرف النظر عن هوية المنفذ ودوافعه. صحيح أن ترامب نفى أي صلة إيرانية بالحادث، لكن المحيطين به في واشنطن وفي طهران يعلمون أن الحادثة ستُلقي بظلالها على الجلسات القادمة.

فمن جهة، قد تُقوي المتشددين في واشنطن الذين يرون في أي اتفاق مع طهران مكافأة لدولة يرون فيها عدوا. ومن جهة أخرى، قد تدفع ترامب نفسه إلى تسريع السعي نحو اتفاق يُحوّله من رئيس نجا من محاولة اغتيال إلى رئيس أنجز اتفاق القرن مع إيران -وهو سيناريو يستهوي الرجل الذي اختار طوال حياته السياسية أن يحكي قصة انتصاراته الشخصية.

بعيدا عن الحادث وتداعياته الأميركية الداخلية، يظل المشهد الإيراني بالغ التعقيد. فمنذ أن توقف صوت المدافع، تواجه طهران معادلة داخلية صعبة: كيف تُعيد رسم صورتها أمام شعب أثقلته الحرب فوق ثقل العقوبات المتراكمة، وكيف تدير ملف التفاوض بوصفه انتزاعا للحقوق لا استسلاما تحت الضغط؟ عراقجي في إسلام آباد، وقاليباف الذي يُصر على أن إعادة فتح مضيق هرمز مرتبطة بضمانات جوهرية، هذان لا يتحدثان بصوت واحد، وهذا بحد ذاته مؤشر على أن القرار الإيراني النهائي لم يُتخذ بعد بالكامل.

الأنظمة التي لا تتفاوض لا تُرسل وزراء خارجيتها إلى إسلام آباد وتتركهم يُمضون إحدى وعشرين ساعة في أروقة الفندق. والأنظمة التي قررت الاستسلام لا تتحدث بهذه اللهجة من الحرس الثوري الرافضة لأي تنازل في الملف الصاروخي.

ما يجمع الطرفين في نهاية المطاف هو ما يُفرّقهما: كلاهما يحتاج أن يُقدّم الاتفاق بوصفه انتصارا لا تسوية. وهذا بالضبط هو معضلة كل مفاوضة كبرى في التاريخ الدبلوماسي الحديث -من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى اتفاق 2015 الذي نسفه ترامب في ولايته الأولى ثم عاد يسعى إلى صيغة جديدة منه في ولايته الثانية. الفرق هذه المرة هو أن ثمة متغيرا لم يكن موجودا في أي من تلك الاتفاقيات: إغلاق مضيق هرمز الذي يُكلّف الاقتصاد العالمي يوميا ما لا يمكن لأي طرف تحمّله إلى ما لا نهاية.

الموعد النهائي سيمر -كما مرّت مواعيد نهائية قبله- إما باتفاق مبدئي يُعلَن عنه بضجيج كبير ثم يستغرق أشهرا لصياغة تفاصيله، وإما بتمديد صامت يُقرأ بوصفه فشلاً أو حكمة بحسب الموقع الذي يُرى من خلاله الحدث. لكن ما لن يمر هو المشهد الأشمل: مشهد رجل في أكثر مناصب العالم خطورة، نجا من رصاصة لم تبلغه، يجلس صباح الأحد في البيت الأبيض يقرأ “عرضا إيرانيا أفضل بكثير” على الملف المفتوح أمامه.