أخبار وتقارير

الأربعاء - 15 أبريل 2026 - الساعة 01:05 م بتوقيت اليمن ،،،

علي قاسم


قبل إطلاق الرشقات الأولى من الصواريخ في مضيق هرمز، كان هناك إجماع هش ولكنه مريح بين صانعي السياسات والمستثمرين على حد سواء: أن أسواق الطاقة العالمية، رغم تقلباتها الدورية، ستظل قادرة على امتصاص الصدمات. وأن سلاسل الإمداد، رغم هشاشتها التي كشفتها الجائحة، يمكن إصلاحها ببعض التعديلات هنا وهناك. وأن نظام الديون العالمية، رغم ثقله، لا يزال تحت السيطرة بفضل المؤسسات المالية الدولية التي تعلمت دروس الماضي. ذلك الإجماع تحطم الآن.

الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، مهما كانت مدتها ونتيجتها، ليست مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الصراعات الشرق أوسطية. إنها نقطة تحول جيواستراتيجية واقتصادية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الاقتصاد العالمي الذي سيخرج من رماد هذه الحرب لن يكون مجرد نسخة معدلة من سابقه، بل كيانا مختلفا جذريا، يعيد تعريف مفاهيم أمن الطاقة، وسيادة الديون، وخريطة التحالفات التجارية. وما يجعل الأمر مأساويا هو أن العالم دخل هذه الحرب وعيناه مفتوحتان على المخاطر، لكنه لم يجد مخرجا.

لنبدأ من أكثر التأثيرات المباشرة والملموسة: أسواق الطاقة. لطالما كان الخليج العربي شريان الحياة للاقتصاد الصناعي الحديث، لكن الحرب الحالية حولت هذا الشريان إلى نقطة اختناق قاتلة. استهداف منشآت النفط والغاز لم يعد سيناريو افتراضيا، بل حقيقة يومية تظهر على شاشات التلفزيون. كل منشأة تُستهدف، وكل ناقلة تتعرض لهجوم، وكل صاروخ يجتاز سماء المضيق، يعني خسارة ملموسة في الإمدادات ترتفع معها الأسعار بشكل حاد ومستمر.

لكن الأدهى من ارتفاع الأسعار هو ما يمثله هذا الارتفاع من رسالة للعالم أجمع: أن أمن الطاقة الذي اعتمدتم عليه لعقود هو مجرد وهم. أوروبا، التي تستورد أكثر من ثلث احتياجاتها النفطية من الخليج، والصين، التي تجاوز اعتمادها على المنطقة أي اقتصاد آخر، والهند، التي أصبحت ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، كل هذه القوى العظمى تكتشف فجأة أن رفاهيتها الصناعية مرهونة باستقرار مضيق لا يتسع عرضه لثلاثين كيلومترا فقط. هذا الاكتشاف المؤلم سيعجل في التحول نحو الطاقات البديلة، ليس بدافع من الوعي البيئي هذه المرة، بل بدافع من الغريزة الجيوسياسية الأكثر بدائية: الخوف.

لكن أسواق الطاقة ليست سوى الوجه المرئي للكارثة. تحت السطح، ثمة ضغوط هائلة تتشكل على نظام الديون العالمية الذي كان أصلاً في حالة هشاشة. العلاقة بين أسعار الطاقة وأسعار الفائدة ليست خطية، لكنها قاتلة. عندما ترتفع تكاليف الطاقة، يرتفع التضخم. وعندما يرتفع التضخم، تُجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة.

وعندما ترتفع أسعار الفائدة، تصبح خدمة الديون أكثر تكلفة. هذا التسلسل المنطقي البسيط يتحول إلى كابوس حقيقي في الاقتصادات الناشئة، حيث الدين الخارجي مقوم بالدولار وعائدات التصدير تتآكل بسبب تباطؤ الطلب العالمي. تخيل للحظة حالة مصر، التي تستورد أكثر من نصف احتياجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، وتعتمد على السياحة والإيرادات من قناة السويس التي تتأثر مباشرة بأي اضطراب في الملاحة العالمية. أو باكستان، التي كانت بالفعل على شفا التخلف عن السداد قبل الحرب، وتواجه الآن فاتورة طاقة تضاعفت بين عشية وضحاها. أو تركيا، التي ابتكرت نظريات نقدية غير تقليدية لتجنب رفع الفائدة، وتجد نفسها الآن عالقة بين التضخم الجامح والحاجة الماسة إلى رأس المال الأجنبي. هذه الدول ليست استثناءات، بل نماذج لما قد يحدث على نطاق واسع.

الموجة القادمة من أزمات الديون السيادية قد تعيد إلى الأذهان أزمة أميركا اللاتينية في الثمانينات أو الأزمة الآسيوية في أواخر التسعينات، لكن في سياق أكثر تعقيدا حيث لا يوجد صندوق نقد دولي قوي بما يكفي، ولا مجموعة السبع موحدة بما يكفي، لإنقاذ الغرقى.

وإذا كان أمن الطاقة والديون السيادية هما الخطان الأماميان للمعركة، فإن خطوط الإمداد العالمية تشكل الجبهة الثالثة التي تخسر فيها الحرب بالفعل. مضيق هرمز ليس مجرد ممر لناقلات النفط. إنه شريان تجاري تمر عبره أيضاً كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال، والمواد الكيميائية، والبتروكيماويات، وحتى السلع الأساسية كالألمنيوم والنحاس التي تعتمد على الطاقة الخليجية الرخيصة في إنتاجها. أي اضطراب مستدام في المضيق يعني أن هذه السلع إما لن تصل إلى الأسواق العالمية، أو ستصل بتكاليف تأمين وشحن خيالية.

الشركات العالمية، التي تعلمت من جائحة كورونا أن سلاسل الإمداد “في الوقت المناسب” قد تكون سلاسل هشة، ستتعلم الآن درسا جديدا: أن سلاسل الإمداد التي تعبر المناطق الساخنة جيوسياسيا هي سلاسل محفوفة بالمخاطر. النتيجة الطبيعية ستكون إعادة رسم جذرية لطرق التجارة العالمية.

سنشهد على الأرجح تحولا نحو “الإقليمية” في سلاسل الإمداد، حيث تفضل الشركات الموردين الأقرب جغرافياً حتى لو كانوا أكثر تكلفة، على الموردين البعيدين الذين يعبرون مضائق خطرة. هذا التحول، على المدى الطويل، يعني تراجعاً في كفاءة التجارة العالمية وزيادة في تكاليف الإنتاج، أي تضخما هيكليا دائما بدلا من التضخم الدوري الذي اعتدنا عليه.

في مواجهة هذه الحقائق الجديدة، يتغير سلوك المستثمرين أيضاً، وبشكل دراماتيكي. حالة عدم اليقين التي تخلقها الحرب ليست مجرد تقلبات في أسعار الأسهم يمكن التحوط ضدها. إنها شك وجودي حول النموذج الاقتصادي العالمي نفسه. المستثمرون، سواء كانوا مؤسسيين أو أفرادا، سيفضلون “الملاذات الآمنة” على حساب “المخاطرة من أجل النمو”.

هذا يعني تدفقات رأس المال نحو الدولار الأميركي، والذهب، وسندات الخزانة الأميركية، على حساب الأسواق الناشئة والاستثمارات طويلة الأجل. والنتيجة المباشرة هي تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الدول النامية، التي كانت تعتمد على هذه التدفقات لتمويل عجزها وخلق فرص العمل. وهذا بدوره يخلق حلقة مفرغة: ضعف الاستثمار يعني ضعف النمو، وضعف النمو يعني ضعف القدرة على خدمة الديون، وضعف القدرة على خدمة الديون يعني المزيد من هروب رأس المال. الدول التي كانت تعتبر “أسواقا ناشئة واعدة” قبل الحرب قد تجد نفسها مصنفة كـ”اقتصادات متعثرة” بعد الحرب، مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية وسياسية.

لكن ربما الأثر الأكثر عمقا وطويل الأمد لهذه الحرب سيكون على بنية النظام الاقتصادي الدولي نفسه، وتحديدا على التحالفات الاقتصادية التقليدية. خذ أوروبا كمثال؛ القارة التي كانت الأكثر صخباً في الدعوة إلى الاستقلال الإستراتيجي سوف تجد نفسها، بعد هذه الحرب، مضطرة إلى تحويل هذا الشعار إلى واقع ملموس، ليس طموحا بل ضرورة.

فاتورة الطاقة الأوروبية المرتفعة، وتعطيل سلاسل الإمداد التي تمر عبر الخليج، والضغوط الأميركية المتجددة للمشاركة في تأمين المنطقة، كلها عوامل تدفع أوروبا نحو التساؤل: هل كانت علاقتنا الاقتصادية مع واشنطن والرياض وعواصم الخليج الأخرى في مصلحتنا حقا؟ الإجابة التي قد تخرج بها بروكسل لن تكون مريحة. سنشهد على الأرجح دفعة أوروبية جديدة نحو تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في الهيدروجين الأخضر والطاقة النووية، وبناء نظام مالي أوروبي أقل اعتماداً على الدولار في معاملات الطاقة. هذه الخطوات، التي كانت تبدو قبل الحرب بعيدة المنال، قد تصبح أولويات سياسية عاجلة بعدها.

في الطرف الآخر من الطيف، الصين وروسيا لن تقفا مكتوفتي الأيدي. موسكو، التي تعيش أصلاً تحت وطأة العقوبات الغربية، سترى في الحرب فرصة ذهبية لتعزيز تحالفها مع طهران وترسيخ فكرة “الجنوب العالمي” كبديل للنظام الغربي. بكين، من جهتها، قد تستغل الشرخ المتزايد بين أوروبا وواشنطن لتوسيع نفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط، ليس فقط عبر مبادرة الحزام والطريق، بل عبر تقديم نفسها كشريك تجاري أكثر موثوقية وأقل استغلالا من الغرب.

تخيل سيناريو حيث تقوم الصين وروسيا وإيران ببناء نظام دفع بديل بعيداً عن نظام “سويفت” الخاضع للسيطرة الأميركية، وحيث يتم تداول النفط باليوان أو الروبل أو حتى بالذهب. هذا ليس خيالاً علمياً، بل مسار محتمل بدأت خطواته الأولى بالفعل قبل الحرب، وستتسارع بعدها.

أمام هذا المشهد المتغير، يمكننا تخيل ثلاثة سيناريوهات مستقبلية رئيسية، لكل منها تداعيات مختلفة على الاقتصاد العالمي. السيناريو الأول هو الأكثر تفاؤلا نسبيا: انتقال سريع نحو الطاقات البديلة. في هذا السيناريو، تفعل الحرب ما فشلت عقود من المؤتمرات المناخية في فعله: تخلق حافزا اقتصاديا وسياسيا هائلا للتحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والطاقة النووية من الجيل الرابع. أوروبا، اليابان، كوريا الجنوبية، وحتى الصين، ستسرع استثماراتها في هذه المجالات، مما يخلق أسواقا جديدة ويعيد توزيع النفوذ الاقتصادي نحو الدول القادرة على إنتاج الطاقة النظيفة بأسعار تنافسية. هذا السيناريو قد يكون، في المفارقة العظمى، هو الخلاص من أزمة المناخ التي بدت قبل الحرب مستعصية على الحل. لكنه سيكون خلاصا موجعا، لأن آلام التحول ستتحملها الأجيال الحالية، بينما فوائده ستجنيها الأجيال القادمة.

السيناريو الثاني هو الأكثر تشاؤما: أزمة ديون عالمية وتباطؤ اقتصادي طويل الأمد. في هذا السيناريو، تفشل المؤسسات المالية الدولية في احتواء موجة التخلف عن السداد التي تبدأ في الاقتصادات الناشئة وتنتقل تدريجيا إلى الدول متوسطة الدخل. البنوك المركزية، التي تجد نفسها عالقة بين ضرورة كبح التضخم وضرورة دعم النمو، تفقد مصداقيتها.

أسواق الأسهم تنهار، والمدخرات تتبخر، والبطالة ترتفع. العالم يعود إلى أجواء الكساد العظيم، ولكن مع فروق جوهرية: لم يعد هناك نظام بريتون وودز يمكنه إعادة بناء النظام المالي من الصفر، ولم تعد هناك قوة عظمى واحدة قادرة على فرض نظام جديد. هذا السيناريو هو كابوس صناع السياسات، لكنه ليس مستحيلاً، خصوصاً إذا استمرت الحرب لفترة أطول مما هو متوقع، وإذا امتدت تداعياتها إلى مجالات أخرى كالغذاء والمياه.

السيناريو الثالث هو الأكثر تعقيداً والأكثر ترجيحاً في رأي هذا المحلل: إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية وتعددية قطبية جديدة. في هذا السيناريو، لا ينهار النظام الاقتصادي العالمي، لكنه يتحول من نظام أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة والدولار إلى نظام متعدد الأقطاب حيث تتنافس عدة كتل اقتصادية: كتلة أميركية – أوروبية (متصدعة لكنها لا تزال قائمة)، وكتلة صينية – روسية – إيرانية (مترابطة بشكل متزايد)، وكتلة مستقلة في جنوب شرق آسيا، وربما كتلة أفريقية – لاتينية تسعى إلى الاستفادة من التنافس بين الأقطاب. في هذا العالم الجديد، لم يعد الدولار هو عملة الاحتياطي الوحيدة، بل تظهر عملات إقليمية أو حتى عملات رقمية للبنوك المركزية كبدائل.

لم تعد هناك منظمة تجارة عالمية قادرة على فرض قواعد موحدة، بل شبكة من الاتفاقيات الثنائية والإقليمية المتنافسة. هذا العالم سيكون أقل كفاءة وأكثر تكلفة من العالم القديم، لكنه قد يكون أكثر استقراراً على المدى الطويل، لأنه سيوزع المخاطر بدلاً من تركيزها في نقطة واحدة قابلة للاستهداف.

الخلاصة المحزنة هي أنه مهما كان السيناريو الذي سيتحقق، فإن الاقتصاد العالمي بعد الحرب لن يعود كما كان قبله. ليس لأن الحرب ستدمّر البنى التحتية بشكل لا يمكن إصلاحه، بل لأنها ستدمر الثقة في الافتراضات التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي لعقود. الثقة بأن الطاقة ستظل متاحة وبأسعار معقولة.

الثقة بأن الديون يمكن إدارتها. الثقة بأن سلاسل الإمداد ستعمل. الثقة بأن الاستثمارات آمنة. هذه الثقة، التي هي في النهاية رأس المال الحقيقي لأي نظام اقتصادي، ستستغرق سنوات، بل عقوداً، لتعود. وحتى عندما تعود، ستعود بشكل مختلف، موزعة على مراكز متعددة بدلاً من مركز واحد، ومحمية بجدران تحوطية بدلاً من الانفتاح غير المشروط.

الحرب الأميركية – الإيرانية إذن ليست مجرد أزمة عابرة في منطقة مضطربة من العالم. إنها نقطة تحول في التاريخ الاقتصادي الحديث. ستظل آثارها محفورة في أسعار الطاقة، وفي جداول الديون السيادية، وفي خرائط التجارة العالمية، وفي قرارات الاستثمار، لعقود قادمة. وما يجعل الأمر مأساوياً حقاً هو أننا دخلنا هذه الحرب وأعيننا مفتوحة، عارفين أننا سنخرج منها مختلفين، لكننا لم نستطع منعها.

الاقتصاد العالمي بعد الحرب لن يكون كما كان قبله. السؤال الوحيد الذي يبقى مفتوحاً هو: أي اقتصاد سيخرج من الرماد؟ اقتصاد أكثر اخضرارا واستدامة، أم اقتصاد أكثر فقرا وتشرذما؟ الإجابة، كما هو الحال دائما في لحظات التحول الكبرى، لن تكتب في واشنطن أو طهران وحدها، بل في كل عاصمة وكل بورصة وكل مصنع وكل منزل على وجه الأرض.

العرب