عرب وعالم

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - الساعة 11:37 ص بتوقيت اليمن ،،،

علي قاسم


ليس من السهل تفسير ردود فعل دونالد ترامب. ففي غضون ساعات قليلة، انتقل الرئيس الأميركي من تهديد إيران بـ”موت حضارة بأكملها” إلى الإعلان عن “نصر كامل وشامل” بعد التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين. هذا التحول الدراماتيكي، الذي لعب فيه رئيس وزراء باكستان دور الوسيط، لم يكن مجرد تبدل في اللهجة، بل كشف مرة أخرى عن أسلوب تفاوضي فريد يقوم على رفع سقف التهديد إلى أقصى حد، ثم الهبوط المفاجئ إلى لغة المصالحة والفرص الاقتصادية. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرحه هذا التناقض الصارخ: هل نشهد بداية “عصر ذهبي” حقيقي في الشرق الأوسط، أم أننا أمام مجرد فاصل تكتيكي يهدف إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق قبل جولة جديدة من التصعيد؟

لفهم ما يجري، علينا العودة قليلاً إلى الوراء. منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، كان ترامب واضحاً في لهجته العدائية تجاه طهران. التهديدات كانت يومية، والعبارات الأكثر قسوة كانت محفوظة للنظام الإيراني. “حضارة بكاملها ستموت” لم تكن مجرد مبالغة خطابية، بل كانت تعبيراً عن استراتيجية متعمدة تهدف إلى خلق حالة من الرعب النفسي قبل الضربة العسكرية. لكن فجأة، وبدون مقدمات، أعلن ترامب موافقته على تعليق القصف لمدة أسبوعين، شريطة أن تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل. هذا التغيير المفاجئ لم يأت من فراغ؛ بل جاء بعد وساطة باكستانية، وبعد أن قدمت إيران اقتراحاً من 10 نقاط وافقت واشنطن على اعتباره “أساساً للتفاوض قابل للتطبيق”.

ما يجعل هذه القصة أكثر تعقيداً هو الطريقة التي يروي بها ترامب رواية “النصر”. ففي آخر ما صدر عنه، تحدث عن “عصر ذهبي” ينتظر الشرق الأوسط، وعن فرص لإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي. هذا التحول من لغة الجحيم إلى لغة العصر الذهبي ليس مجرد تغيير في النبرة، بل هو جزء من أسلوب تفاوضي يعتمد على الصدمة والمفاجأة. ترامب يرفع السقف إلى أقصاه، ثم يهبط فجأة، تاركاً الجميع في حالة من الارتباك. هذه الطريقة تمنحه مرونة كبيرة في المناورة، لكنها تخلق أيضاً حالة من عدم اليقين الاستراتيجي التي تجعل الحلفاء والخصوم على حد سواء غير قادرين على توقع الخطوة التالية.

لكن هل هذه الهدنة لمدة أسبوعين تمثل بالفعل نقطة تحول استراتيجية؟ الإجابة تعتمد على ثلاث قضايا رئيسية.

أولاً، اختبار الجدية. الهدنة ليست اتفاق سلام، بل مجرد استراحة لمدة 14 يوماً. خلال هذه الفترة، سيكون على الطرفين إثبات مدى التزامهما بالشروط المتفق عليها. إيران مطالبة بفتح مضيق هرمز بالكامل، والولايات المتحدة مطالبة بتجميد عملياتها العسكرية. لكن التاريخ يعلمنا أن الهدن القصيرة في الشرق الأوسط غالباً ما تستخدم كفترة لإعادة التموضع العسكري، وليس كخطوة نحو حل دائم. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الهدنة ستصمد لأسبوعين، بل ما إذا كان الطرفان قادرين على تحويلها إلى مسار دبلوماسي طويل الأمد.

ثانياً، موقف الحلفاء التقليديين. إسرائيل ودول الخليج تتابع هذه التطورات بقلق بالغ. فإذا كان ترامب يسعى إلى صفقة كبرى مع إيران، فماذا يعني ذلك بالنسبة لمصالحهم؟ إسرائيل، التي تعتبر إيران تهديداً وجودياً، قد تجد نفسها مهمشة في حال تحولت واشنطن نحو التفاوض المباشر مع طهران. أما دول الخليج، التي عانت من تداعيات التصعيد على أمنها واقتصادها، فقد ترى في الهدنة فرصة لاستعادة الاستقرار، لكنها تخشى في الوقت نفسه من أن تكون مجرد استراحة تسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها. هذه المعادلة المعقدة تجعل الحلفاء في موقف صعب: هل يدعمون الهدنة أم يحاولون عرقلتها؟

ثالثاً، الدوافع الداخلية لترامب. لا يمكن فهم السياسة الخارجية لأي رئيس أميركي دون النظر إلى وضعه الداخلي. ترامب يواجه ضغوطاً متزايدة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. ارتفاع أسعار الطاقة بسبب التصعيد في الشرق الأوسط يهدد بزيادة التضخم، وهو ما قد ينعكس سلباً على شعبيته. إضافة إلى ذلك، فإن الرئيس الأميركي، الذي يطمح إلى فترة رئاسية جديدة، يحتاج إلى إنجازات دبلوماسية يمكنه تسويقها لناخبيه. وصف الاتفاق بأنه “نصر كامل وشامل” ليس مجرد مبالغة خطابية، بل هو محاولة لتحويل هدنة قصيرة إلى انتصار سياسي داخلي.

لكن ربما الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القصة هو دور باكستان. فلماذا إسلام آباد؟ الرئيس الباكستاني شهباز شريف لم يكتفِ بالوساطة، بل أعلن أن الهدنة تشمل “لبنان وأماكن أخرى”. هذا التوسع في نطاق الاتفاق يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هناك أجندة أوسع تتجاوز مجرد وقف القصف. باكستان، التي تربطها علاقات معقدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، قد تكون تحاول تعزيز دورها كوسيط إقليمي، خاصة في ظل الانسحاب الأميركي النسبي من المنطقة. لكن السؤال: هل تمتلك باكستان القدرة على ضمان التزام الطرفين بالاتفاق؟

هنا نصل إلى المفارقة الأساسية. ترامب يتحدث عن “النصر”، لكن واقع الحال يقول إن الهدنة كانت ضرورية للطرفين. إيران أظهرت قدرة على الصمود والرد، مما جعل التصعيد مكلفاً للغاية بالنسبة لواشنطن. أميركا، من جانبها، أدركت أن الحرب الشاملة قد تكون كارثية على قواتها وحلفائها في المنطقة. لذلك، يمكن قراءة الهدنة ليس كنصر لأي طرف، بل كاعتراف ضمني من الطرفين بأنه لا يوجد حل عسكري سريع. هذا الواقع الجديد قد يكون الأساس لتحول استراتيجي حقيقي، لكنه يحتاج إلى أكثر من مجرد أسبوعين ليترسخ.

الانعكاسات الإقليمية لهذه الهدنة قد تكون أعمق مما تبدو عليه. إذا تحولت إلى مسار طويل الأمد، فقد تكون بداية لإعادة رسم التحالفات في المنطقة. تركيا، روسيا، والصين – كلها تراقب المشهد عن كثب. الصين، التي يشير ترامب إلى أنها دفعت إيران للتفاوض، قد تكون لاعباً أكبر مما يبدو. بكين، التي تعتمد على نفط الخليج، لديها مصلحة واضحة في استقرار المنطقة. لكن السؤال: هل ستسمح الصين لأميركا بأن تكون اللاعب الوحيد في أي تسوية مستقبلية؟

ما نشهده اليوم ليس نهاية اللعبة، بل مجرد بداية فصل جديد في مسرحية طويلة. الهدنة لمدة أسبوعين قد تتحول إلى سلام طويل الأمد، كما قد تنهار لتعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد. كل الاحتمالات واردة. لكن ما هو مؤكد أن ترامب نجح مرة أخرى في خلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي التي تمنحه مساحة واسعة للمناورة. الحلفاء قلقون، الخصوم حذرون، والجميع ينتظر ليرى ما إذا كان “العصر الذهبي” الذي يروّج له سيأتي بالفعل، أم أن “الجحيم” الذي توعد به كان مجرد تهديد آخر يذوب في هواء المفاوضات.

الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة. إما أن نرى تحولاً حقيقياً نحو الدبلوماسية، أو أن نعود إلى لغة التهديد والتصعيد. لكن في الشرق الأوسط، كما نعلم جميعاً، الهدن غالباً ما تكون مجرد استراحة بين المعارك. السؤال الذي يبقى معلقاً: هل هذه المرة مختلفة حقاً؟