عرب وعالم

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 02:34 ص بتوقيت اليمن ،،،

محمد الصالحين الهوني


التراجع أصعب من التقدم، وهذه هي المعضلة التي يواجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حربه ضد إيران. فبينما تشير تقارير صحفية أميركية إلى أن بعض مستشاريه يحثونه سرًا على الإعلان عن خطة للخروج من الحرب، يلمّح هو نفسه إلى إمكانية وقف العمليات العسكرية قريبًا، في حين ينفي البيت الأبيض بشدة وجود مثل هذه التوجهات. هذا التناقض يعكس حالة من الارتباك داخل الإدارة الأميركية، ويطرح سؤالًا حول ما إذا كان التراجع خيارًا ممكنًا، أم أن الاستمرار في الحرب أصبح قدرًا لا مفر منه.

الأهداف المعلنة للحرب تبدو واضحة على الورق: تدمير برنامج الصواريخ الإيراني، تحجيم الأسطول البحري، وقف دعم إيران لوكلائها الإقليميين، ومنعها من امتلاك سلاح نووي. لكن الواقع الميداني يكشف أن هذه الأهداف لم تتحقق بشكل كامل، وأن إيران لم تستسلم رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة. بل إن ترامب نفسه عبّر عن دهشته من صمود إيران وعدم رضوخها، وهو ما يضعه أمام معضلة تعريف “النصر المُرضي”. فهل يكفي القول إن الجيش الأميركي حقق أهدافه إلى حد كبير، أم أن غياب الاستسلام الإيراني يجعل أي إعلان عن الانسحاب يبدو وكأنه هزيمة؟

الحسابات الداخلية في الولايات المتحدة تضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالمستشارون يحذرون ترامب من أن حربًا طويلة الأمد ستؤثر سلبًا على شعبيته. الجمهوريون الذين يؤيدون الضربات في الوقت الراهن بدأوا يعبرون عن قلقهم من انعكاسات ارتفاع أسعار الوقود على الناخبين، وهو ما قد يضع الحزب في موقف صعب أمام الرأي العام. استطلاعات الرأي أظهرت أن أغلبية طفيفة من الأميركيين تعارض الحرب، ما يعني أن استمرار الحرب قد يعمّق الانقسام الداخلي ويضعف فرص ترامب الانتخابية.

البيت الأبيض يحاول مواجهة هذه المخاوف عبر خطاب إعلامي أكثر حزما، حيث تؤكد المتحدثة كارولين ليفيت أن الغالبية العظمى من الأميركيين تؤيد إنهاء التهديد الإيراني وقتل “الإرهابيين”، وأن الرئيس يركز على ضمان نجاح العملية العسكرية. لكن هذا الخطاب لا يخفي حقيقة أن هناك فجوة بين ما يقال علنًا وما يُناقش خلف الأبواب المغلقة. فالمستشارون الذين يحثون ترامب على الخروج يدركون أن التراجع أصعب من التقدم، وأن أي انسحاب سيُفسَّر كفشل.

إسرائيل تضيف عامل ضغط إضافي. فطالما استمرت إيران في مهاجمة دول المنطقة، وطالما رغبت إسرائيل في مواصلة ضرب أهداف داخل إيران، فإن إنهاء الحرب يصبح أكثر تعقيدًا. المسؤولون الأميركيون يؤكدون أن ترامب لن يتوقف عن القتال حتى يحقق نصرًا مُرضيًا، لكن تعريف هذا النصر يظل غامضًا.

التداعيات الإقليمية للحرب لا تقل خطورة عن الحسابات الداخلية. فدول الخليج تجد نفسها في قلب الصراع، تتعرض لهجمات إيرانية مباشرة، بينما تتحول أراضيها إلى مسرح مواجهة بين واشنطن وطهران. ارتفاع أسعار النفط يضغط على الاقتصاد العالمي ويثير مخاوف التضخم، ما يجعل استمرار الحرب عبئًا ليس فقط على الولايات المتحدة بل على العالم بأسره. وفي الوقت نفسه، صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على الحسم تتعرض للاهتزاز، إذ تبدو متورطة في حرب بلا نهاية واضحة، وهو ما يُضعف من قدرتها على فرض هيبتها الدولية.

التراجع إذن ليس مجرد قرار عسكري، بل هو قرار سياسي وإستراتيجي معقد. ترامب يدرك أن الانسحاب قد يُفسَّر كضعف، لكنه أيضًا يعلم أن الاستمرار في حرب طويلة الأمد قد يضعف مكانة الولايات المتحدة عالميًا. المستشارون الذين يحثونه على الخروج يحاولون إقناعه بأن الجيش حقق إلى حد كبير أهدافه، وأن الإعلان عن الانسحاب يمكن أن يُسوَّق كنجاح.

لكن التوسع في قراءة المشهد يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بترامب أو بمستشاريه، بل بطبيعة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فالتاريخ الحديث يبين أن الولايات المتحدة غالبًا ما تدخل الحروب بسهولة، لكنها تجد صعوبة في الخروج منها. في العراق عام 2003، كان الهدف المعلن إسقاط نظام صدام حسين وتدمير أسلحة الدمار الشامل، لكن الانسحاب لم يتحقق إلا بعد سنوات طويلة من الاستنزاف، وترك وراءه فراغًا إستراتيجيّا ملأته قوى إقليمية أخرى. وفي أفغانستان، استمرت الحرب عقدين كاملين قبل أن تقرر واشنطن الانسحاب، تاركة طالبان تعود إلى السلطة. هذه السوابق تجعل من قرار التراجع عن حرب إيران أكثر حساسية، وإعادة إنتاج لنفس السيناريوهات السابقة.

إضافة إلى ذلك، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين تزيد من تعقيد الموقف. فإسرائيل ترى في الحرب فرصة لتقويض القدرات الإيرانية، وهي تضغط على واشنطن للاستمرار. أما دول الخليج فتجد نفسها في وضع بالغ الصعوبة، إذ تتعرض لهجمات مباشرة من إيران، بينما تعتمد على المظلة الأميركية لحمايتها. هذا الوضع يضع ترامب أمام معادلة معقدة: إذا انسحب، قد يشعر الحلفاء بأن واشنطن تخلت عنهم، وإذا استمر، قد يدفع ثمنًا سياسيّا داخليّا باهظًا.

الاقتصاد العالمي أيضًا عنصر لا يمكن تجاهله. ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب يهدد بزيادة التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا، ويضع ضغوطًا على الأسواق الناشئة. هذا العامل الاقتصادي قد يكون من بين الأسباب التي تدفع بعض المستشارين إلى حث ترامب على الخروج، لأن استمرار الحرب يعني استمرار ارتفاع الأسعار، وهو ما سينعكس مباشرة على حياة المواطنين الأميركيين.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التراجع أصعب من التقدم بالفعل. فترامب إذا قرر الانسحاب سيحتاج إلى صياغة رواية مقنعة للرأي العام، تقول إن الأهداف تحققت وإن النصر تحقق، حتى لو لم تستسلم إيران. وإذا قرر الاستمرار، سيواجه خطر التورط في حرب طويلة الأمد قد تستنزف قدرات الولايات المتحدة وتضعف مكانتها الدولية. القرار إذن ليس مجرد خيار بين الحرب والسلام، بل هو خيار بين صورتين مختلفتين لأميركا: أميركا القوة التي تعرف كيف تنسحب بذكاء، أو أميركا القوة التي تظل عالقة في حروب لا تنتهي.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان ترامب سيختار التراجع أو الاستمرار. لكن المؤكد أن هذا القرار سيحدد ليس فقط مستقبل الحرب على إيران، بل أيضًا مستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لعقد قادم، وسيكشف ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إدارة أزماتها بواقعية، أم أنها ستظل أسيرة منطق القوة حتى لو كان على حساب مصالحها الإستراتيجية.


• رئيس تحرير صحيفة العرب