أخبار اليمن

الثلاثاء - 20 يناير 2026 - الساعة 12:37 ص بتوقيت اليمن ،،،

حافظ الشجيفي


يستوقفنا التاريخ طويلا حينما تتداخل الجغرافيا مع الهوية، وحينما تتحول طاولات التفاوض إلى مسارح لعمليات جراحية تحاول استئصال حقائق استقرت في وجدان الشعوب، ولعل المشهد الجنوبي الراهن، بما يكتنفه من دعوات متواترة لحوار جنوبي جنوبي ترعاه المملكة العربية السعودية بطلب من رشاد العليمي، يضعنا أمام علامات استفهام كبرى تتجاوز في عمقها حدود اللحظة السياسية العابرة لتلامس جوهر المصير الوطني، إذ يبدو أن هناك محاولة لإعادة صياغة المسلمات في قوالب من الشك، وكأننا بصدد البحث عن شرعية لم تعد تحتاج إلى برهان، أو كأن دماء الشهداء وتضحيات العقود الماضية باتت مجرد هوامش في كتاب يبادره المحتلون والوسطاء بممحاة التسويم والمقايضة.

فحين نتأمل في أجندة هذا الحوار، نجد أنفسنا أمام مفارقة منطقية مذهلة، فإذا كان الهدف هو مناقشة استقلال الجنوب، فإننا هنا نناقش البديهيات التي لا تحتمل التأويل ولا يختلف عليها اثنان، إذ إن الاستقلال في الوعي الجمعي الجنوبي كما هي لدى كل شعوب العالم ليس وجهة نظر قابلة للنقاش، بل هو ثابت وجودي وقاعدة ارتكاز لا يتطرق إليها الخلاف، فليس في الجنوب فريق يرى في الاستقلال خلاصا وفريق يراه عبئا، بل هو ميثاق غليظ تعمد بالتضحيات، ومن هنا يطرح السؤال الجوهري عن جدوى الحوار إذا كان المبتغى هو الاتفاق على ما هو متفق عليه أصلا، إلا إذا كان الهدف المستتر خلف الواجهة هو خلخلة هذا الإجماع وصناعة انقسام وهمي يبرر التدخلات الخارجية ويمنح القوى التي لا تريد للجنوب فكاكا فرصة للمناورة خلف ستار "الوفاق الوطني".

أما إذا ذهب الظن بأن الغرض هو رسم ملامح الدولة الجنوبية القادمة وشكل مؤسساتها، فإن الذاكرة السياسية القريبة تصفع هذا الادعاء بقوة، حيث أنجز الجنوبيون في لقائهم التشاوري الموسع في عدن عام 2023 ميثاقا وطنيا جامعا، لم يغادر شاردة ولا واردة إلا وأحصاها، وصاغ رؤية عصرية لدولة فيدرالية جنوبية مستقلة، شاركت فيها كافة المكونات والقوى الثورية والاجتماعية، فكان ذلك الميثاق هو الكلمة الفصل والوثيقة المرجعية التي حسمت شكل المستقبل، ومن كان لديه من الجنوبيين اعتراض أو ملاحظة، فالمجال كان ولا يزال مفتوحا للحوار مع المجلس الانتقالي ومع الأطراف الموقعة، لا أن يأتي الطلب من رشاد العليمي، الذي يجد نفسه في موقع الغريب الذي يدعو أهل الدار للتشاور في كيفية إدارة بيتهم، وهو الذي لا يملك في هذا البيت حقا ولا شرعية ولا تفويضا، بل يمثل في نظر الشارع الجنوبي امتدادا لسلطة تحاول شرعنة احتلالها بأدوات ناعمة.

وتتجلى الخطورة في هذا المسار حين ندرك أن رشاد العليمي، ومن خلفه القوى الإقليمية والدولية، يحاولون وضع الجنوبيين في اختبار للتوافق الجنوبي وكأن استقلال الجنوب مرهون باختبار يجتازه الجنوبيون أمام قاضي لا يملك تفويض الحكم، فالدعوة التي انطلقت من الرياض بإيعاز من العليمي توحي بأن هناك شرطا مسبقا مفاده أن اتفاقكم أيها الجنوبيون هو مفتاح اعترافي بمصيركم، وهو طرح يفتقر إلى النزاهة السياسية، لأن العليمي يدرك يقينا أن الاستقلال هو الخيار الوحيد للجنوبيين، وانه موضع اجماعهم لكنه يراهن على هندسة حوار يفضي إلى نتائج معلبة سلفا، تخدم الأجندات التي تسعى لفرض مشروع الأقاليم الستة أو الفيدرالية مع الشمال، وهو مشروع ولد ميتا في أزقة الحوارات السابقة، ولا يجد له في أرض الجنوب مكانا ولا قبولا، فكيف يطلب من شعب قدم شلالات من الدماء وقوافل من الأرواح أن يقبل اليوم بما رفضه قبل عقود من الزمان حين كان الجرح أقل عمقا والمأساة أقل اتساعا.

فالفيدرالية مع الشمال، بكل مسمياتها وتلاوينها، ليست في حسابات الإنسان الجنوبي، لانها هدف لا يستحق من منظور التضحيات الجسيمة قطرة دم واحدة تسيل من اجله، والشعب الذي ناضل ضد آلة القمع والاحتلال لم يكن يطمح لتحسين شروط ارتباطه بالشمال، بل كان يسعى لفك هذا الارتباط جذريا واستعادة كرامته المسلوبة، ومن هنا فإن أي طرف جنوبي قد يذهب في هذا الحوار لتبني خيارات تنتقص من الاستقلال الكامل، هو طرف يخرج نفسه من دائرة الإجماع الوطني ويضع نفسه في خانة التبعية التي لا تمثل الشعب الجنوبي ولا تعبر عن تطلعاته، فالمسألة ليست خلافا بين إخوة تقاتلوا حتى نحتاج إلى وسيط للصلح، او مؤتمر للحوار بيننا فالجنوبيون لم يتقاتلوا فيما بينهم، بل كانت معركتهم ولا تزال مع المحتل الشمالي الذي يحاول باستمرار خلط الأوراق وإظهار الصراع وكأنه نزاع داخلي جنوبي لتمرير مخططاته واذا كان العليمي قد طالب بهذا الحوار بين الجنوبيين ليلتزم لهم بمخرجاته فانه لا يوجد اي مبرر يدعو الجنوبيبن ليتفقوا على الفيدرالية مع الشمال طالما وان العليمي سيلتزم بتنفيذ مخرجات هذا الحوار الا اذا كانت المخرجات قد تم حسمها سلفا..

ويبقى التساؤل الأكثر إلحاحا وحرقة، وهو المتعلق بالدور السعودي في هذه اللحظة الفارقة، فكيف يمكن للمملكة أن تقنع المواطن الجنوبي بصدق نوايا هذا الحوار بينما تسير الإجراءات على الأرض في اتجاه مغاير تماما اذ ان ضرب القوات المسلحة الجنوبية وإضعافها، والعمل على تحييد المجلس الانتقالي الذي يمثل الحامل السياسي والشرعي لهذه القضية، يثير ريبة عميقة في النفوس، فالحوار لا يكون بكسر إرادة المحاور أو تجريده من أوراق قوته، بل يكون بالاعتراف بتمثيله وشرعيته، وما يحدث الآن يبدو وكأنه عملية "تفكيك" ممنهجة للقوة الجنوبية تمهيدا لفرض تسوية تنتقص من اهدافه، وهو أمر سيصطدم حتما بصخرة الوعي الشعبي الذي يدرك جيدا أن المعركة ليست بين الجنوبيين أنفسهم، بل هي معركة وجود بين مشروع استعادة الدولة وبين قوى الهيمنة التي تريد إبقاء الجنوب ساحة خلفية لمصالحها وتوازناتها.