أخبار اليمن

الأربعاء - 14 يناير 2026 - الساعة 09:25 ص بتوقيت اليمن ،،،

حافظ الشجيفي


النفوس الكبيرة لا تخدعها المظاهر وإن زينت، ولا تضللها الدعاوى وإن نمقت، فالحق في ذاته نور لا يحتاج إلى سراج من الخارج، والباطل مهما تلبس بمسوح الصدق يظل كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ومن تأمل في حقيقة ما يسمى بالحوار الجنوبي الذي انطلقت صيحاته من الرياض، وجد أن الأمر ليس تشاورا بين أخوة، بل هو صياغة لنتائج وضعت في غرف مغلقة قبل أن تجف دماء الشهداء في ساحات الوغى،

فكيف يكون الحوار حوارا وقد سبقه أزيز الطائرات يضرب القادة والجنود، ورسمت حدود الممكن فيه فوهات المدافع التي وجهتها السعودية ضد القوات المسلحة الجنوبية وضد قادة المجلس الانتقالي.. إذ ان الحقيقة المرة التي يراها الشعب بوضوح الشمس في رابعة النهار هي أن هذا التدخل العسكري لم يكن إلا تمهيدا قسريا لفرض واقع سياسي وعسكري يطابق غايات الذين دعوا للحوار، ويصادم تطلعات شعب لا يرى في حريته مجالا للمساومة، بل صار هذا الحوار في ميزان العقل والمنطق مجرد تمثيلية باردة الغرض منها إضفاء شرعية زائفة على واقع يرفضه الضمير الجمعي للجنوبيين، فالحوار الذي تحسم نتائجه سلفا بالبارود والعدوان الجوي ليس إلا إملاء يرتدي ثوب النقاش، وقرار حل المجلس الانتقالي الذي صدر من الرياض مؤخرا لم يكن إلا طلقة الرحمة على بقايا الثقة التي كان يمكن أن توجد بين الأطراف.

وقد سخرت السعودية لهذا المخطط جيوش من الكتبة والإعلاميين والسياسيين الذين خلعوا ثوب الانتماء ولبسوا جلباب العقلانية المصطنع، فراحوا يزينون للناس هذا الفخ ويصورونه على أنه المخرج الوحيد والفرصة التي لن تتكرر، وهم في حقيقة أمرهم ليسوا إلا وسطاء في عملية استدراج كبرى يراد بها سلب إرادة الشعب ودفعه نحو القبول بالتبعية المطلقة، فتراهم يتحدثون عن الاتزان والحكمة وهم يبيعون الأوطان في سوق النخاسة السياسية، ويخفون خلف كلماتهم المعسولة ملامح الغدر التي تنتظر القضية الجنوبية في منعطفات هذا الطريق الوعر، ذلك أن المثقف الذي يرتضي أن يكون بوقا للمعتدي هو أشد خطرا من المعتدي نفسه، لأنه يحاول تخدير الوعي الجمعي وتصوير الهزيمة على أنها نصر مبين، بينما الواقع يشهد أن كل ما يطرح في هذا الحوار لا يعني الشعب في شيء، لأن القضايا الكبرى لا تحل في فنادق الوصاية، والسيادة التي تعمدت بالدم لا تسلم بجرعة حبر يمليها الممول الخارجي.

وليس أدل على هوان هذا المسار من تلك الوجوه التي تسارعت لتعلن رغبتها في المشاركة، فهم في حقيقة الوصف أجراء لا أصحاب قضية، وموظفون لا قادة، أغراهم المال وأعمتهم المصالح الشخصية عن رؤية مستقبل شعبهم، فهم يوقعون على الصكوك دون قراءة مضمونها، ويبصمون على النتائج قبل الاطلاع على تفاصيلها، لأن الهم الأول عندهم هو رضاء من يدفع لهم، لا بقاء من يضحي، والوطن في نظرهم ليس إلا وسيلة لتحسين شروط العيش الشخصي لا غاية في ذاته، ومن هنا فإن أي نتائج تنبثق عن هذا الحوار الشكلي، سواء عقد في الرياض أو في عدن أو في أي بقعة من بقاع الأرض، ستظل ميتة في رحم الغيب، لأن النتائج التي كان يمكن للشعب أن يتقبلها قبل العدوان السعودي الأخير وقبل محاولات كسر إرادة قواته المسلحة، لم تعد مقبولة ولا متصورة بعد أن بانت النوايا وانكشف المستور،

فالجرح الذي تسببه يد تدعي الصداقة لا يندمل بكلمات الحوار، والحق الذي يغتصب بالقوة لا يسترد إلا بالقوة أو بالثبات الذي يزلزل عروش المتآمرين، وسيبقى شعب الجنوب هو الحكم والخصم في قضية وجوده، ولن تزيد هذه المحاولات الأحرار إلا إصرارا على رفض كل ما يخطط في ليل، فالتاريخ لا يسجل أسماء الذين وقعوا على صكوك الإذعان، بل يخلد ذكر الذين قالوا لا في وجه من قالوا نعم طمعا في فتات الموائد.