عرب وعالم

الأحد - 11 يناير 2026 - الساعة 11:41 ص بتوقيت اليمن ،،،

العرب


شهدت المملكة العربية السعودية مساء الجمعة اختتام مناورات التمرين العسكري المشترك "درع الخليج 2026"، بمشاركة جميع دول مجلس التعاون الخليجي. قد يبدو هذا الحدث في ظاهره مجرد مناورة عسكرية دورية، لكنه في جوهره يحمل رسالة سياسية وإستراتيجية أعمق، موجهة إلى الداخل والخارج معًا: دول الخليج متضامنة، متماسكة، وتعمل بشكل جماعي لحفظ أمنها واستقرارها، على عكس ما يروّج له البعض من صورة الانقسام أو التباين.

منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ظل هذا التجمع الإقليمي يواجه تحديات متغيرة، من الحروب الإقليمية إلى الأزمات الاقتصادية، ومن التحولات الجيوسياسية إلى الضغوط الدولية. ومع ذلك، أثبت المجلس أنه قادر على الاستمرار وتطوير آليات عمل مشتركة في مختلف المجالات. واليوم، تأتي مناورات "درع الخليج 2026" لتؤكد أن الأمن والدفاع ليسا شأنًا محليًا أو ثنائيًا، بل مسؤولية جماعية تتجاوز أي اختلافات ظرفية في المواقف حول ملفات ثانوية.

الرسالة الأولى التي يبعث بها هذا التمرين هي أن حفظ الاستقرار يمثل أولوية الأولويات لدول الخليج. في عالم مضطرب، حيث تتزايد التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية، من الهجمات الصاروخية إلى الهجمات السيبرانية، يصبح التنسيق العسكري ضرورة لا خيارًا. السيناريوهات العملياتية التي شملها التمرين، من محاكاة تهديدات جوية وصاروخية متعددة الأبعاد إلى المناورات الجوية المشتركة والتمارين الميدانية التكاملية، تعكس إدراكًا جماعيًا لطبيعة التحديات الأمنية المعاصرة، وتؤكد أن الرد عليها لا يمكن أن يكون إلا جماعيًا.

لكن البعد الأمني ليس وحده ما يهم هنا. فالمناورة تحمل أيضًا دلالات سياسية واضحة. في وقت يروّج فيه البعض لصورة الانقسام داخل البيت الخليجي، تأتي المشاركة الكاملة لجميع الدول

لتثبت أن الخلافات الجزئية لا تعني غياب التضامن في القضايا الكبرى. نعم، قد تختلف المواقف حول بعض الملفات الإقليمية أو الدولية، لكن هذه الاختلافات تبقى ثانوية أمام الهدف الأسمى: حفظ أمن واستقرار المنطقة. هذه الرسالة موجهة للعالم الخارجي بقدر ما هي موجهة لشعوب الخليج نفسها، لتؤكد أن الوحدة لا تزال قائمة وأنها قادرة على الصمود أمام الضغوط.

الظرف الدولي الراهن يزيد من أهمية هذه الرسالة. العالم يواجه أزمات متشابكة: تغير المناخ يهدد الموارد الطبيعية، الاقتصاد العالمي يعاني من تقلبات حادة، والتوترات الجيوسياسية تتصاعد في أكثر من منطقة. في هذا

السياق، يصبح التضامن الخليجي ضرورة مضاعفة، ليس فقط لمواجهة التحديات الأمنية، بل أيضًا للتعامل مع التحديات الاقتصادية والبيئية. فدول الخليج، بما تملكه من ثروات نفطية وغازية وموقع استراتيجي، مطالبة بأن تقدم نموذجًا للتعاون الإقليمي الذي يوازن بين الأمن والتنمية، بين الاستقرار والانفتاح.

الأزمة الاقتصادية العالمية، مع معدلات التضخم المرتفعة والبطالة المتزايدة، تفرض على دول المجلس أن تعمل بشكل جماعي لتبني سياسات اقتصادية متناسقة، تعزز التكامل وتقلل من آثار الصدمات الخارجية. كذلك، فإن التحديات البيئية، من شح المياه إلى ارتفاع درجات الحرارة، لا يمكن مواجهتها إلا عبر حلول جماعية، سواء في مجال الطاقة المتجددة أو في إدارة الموارد الطبيعية. المناورة العسكرية، وإن كانت أمنية في ظاهرها، تعكس إدراكًا بأن الاستقرار شرط أساسي للتنمية المستدامة ولمواجهة هذه التحديات.

من زاوية أخرى، يمكن قراءة التمرين كرسالة طمأنة لشعوب الخليج. فالمواطنون، الذين يتابعون الأخبار عن الأزمات الإقليمية والدولية، يحتاجون إلى إشارات واضحة بأن دولهم قادرة على حماية أمنهم وضمان استقرارهم. المشاركة الكاملة في "درع الخليج 2026" تقدم هذه الإشارة، وتؤكد أن الأمن ليس مسؤولية دولة واحدة، بل مسؤولية جماعية تتشارك فيها جميع الدول الست. هذه الطمأنة ضرورية لتعزيز الثقة الداخلية، ولإظهار أن الوحدة ليست مجرد شعار، بل ممارسة عملية تتجسد في الميدان.

أما للعالم الخارجي، فإن الرسالة لا تقل وضوحًا. في زمن تتزايد فيه الانقسامات الإقليمية والدولية، يقدم الخليج نموذجًا للتعاون العملي الذي يتجاوز الخلافات الثانوية. هذا النموذج يوجه رسالة قوة إلى القوى الكبرى، مفادها أن أمن الخليج لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر التضامن والتكامل. كما يوجه رسالة طمأنة للأسواق العالمية، بأن المنطقة التي تشكل قلب الطاقة العالمية قادرة على حفظ استقرارها وضمان استمرار تدفق مواردها.

من المهم أيضًا أن نقرأ هذا الحدث في سياق تاريخي. منذ تأسيس مجلس التعاون، واجهت دوله محاولات متكررة للتشكيك في وحدتها، سواء عبر تضخيم الخلافات السياسية أو عبر تصويرها ككيانات متنافسة أكثر من كونها متعاونة. لكن الواقع أثبت أن المجلس قادر على تجاوز الأزمات، وأنه يظل إطارًا ضروريًا لحفظ الأمن والتنمية. "درع الخليج 2026" هو استمرار لهذا النهج، وإعلان جديد بأن الوحدة ليست خيارًا ظرفيًا، بل استراتيجية دائمة.

في النهاية، يمكن القول إن المناورة العسكرية الخليجية الأخيرة ليست مجرد حدث عسكري، بل هي إعلان سياسي ورسالة استراتيجية. إنها تقول للعالم إن دول الخليج متضامنة، وإنها قادرة على العمل المشترك لمواجهة التحديات، سواء كانت أمنية أو اقتصادية أو بيئية. إنها تقول لشعوب المنطقة إن أمنهم واستقرارهم محفوظان عبر تعاون جماعي يتجاوز أي خلافات جزئية. وهي تقول للقوى الكبرى إن الخليج ليس ساحة مفتوحة للتدخلات، بل منطقة قادرة على إدارة شؤونها بنفسها.

حفظ الاستقرار هو أولوية الأولويات، وهذه المناورة هي الدليل العملي على أن دول الخليج تدرك ذلك وتعمل من أجله. في زمن الانقسامات، يقدم الخليج نموذجًا للتضامن. وفي زمن الأزمات، يقدم نموذجًا للعمل المشترك. هذه هي الرسالة الأوضح للعالم: المستقبل يُبنى بالوحدة لا بالانقسام، وبالتعاون لا بالتنافس، وبالتضامن لا بالعزلة.