أخبار وتقارير

الأحد - 11 يناير 2026 - الساعة 12:11 ص بتوقيت اليمن ،،،

عبدالكريم الخياطي


لماذا تبدو الضالع ويافع، في الخطاب العام اليوم، وكأنهما الأكثر عداءً لليمن كدولة، رغم أنهما تاريخيًا من أقرب مناطق الجنوب إلى الشمال اجتماعيًا وبشريًا وجغرافيًا؟ ولماذا يظهر الغضب هناك أكثر حدّة من مناطق جنوبية أخرى، حتى لدى أجيال لم تعش حرب 1994 لكنها ورثت آثارها؟

من الخطأ تجاهل حجم الغضب المتراكم في هذه المناطق، أو اختزاله في شعارات أيديولوجية سريعة. فالمشهد الراهن ليس نتاج لحظة سياسية عابرة، بل حصيلة تاريخ اجتماعي واقتصادي وسياسي معقّد، لا يمكن فهمه دون العودة إلى ما بعد حرب 1994، وما ترتّب عليها من كسر عميق لبنية اجتماعية كاملة.

أتعاطف دون أن أبرّر مع كثير من أبناء الضالع ويافع وردفان، وأفهم لماذا يتعامل بعضهم بعداء حاد مع فكرة الوحدة واليمن كدولة. وكثيرًا ما يُطرح السؤال باستغراب: لماذا لم يحاول أبناء هذه المناطق الاستفادة من الدولة بعد 1994 كما استفادت حضرموت، أو حتى كما تغيّرت عدن نسبيًا عمرانياً وبنيويًا، رغم كل ما شاب تلك المرحلة من فساد واختلالات؟

الإجابة، في جوهرها، ليست سياسية فقط، بل اجتماعية واقتصادية ونفسية قبل كل شيء.

جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والحزب الاشتراكي الذي قادهالعقدين ونصف، كان عمودها العسكري والأمني والإداري متركزًا إلى حد كبير في الضالع ويافع وردفان، ومعهم أجزاء من أبين. هؤلاء شكّلوا العمود الفقري للجيش والأجهزة، وحملوا الدولة فعليًا على أكتافهم. وعندما انتهت حرب 1994 بهزيمة الجيش المحسوب عليها، لم يُهزم مشروع سياسي فحسب، بل جرى كسر طبقة اجتماعية كاملة.

الطريقة التي تعامل بها نظام علي عبدالله صالح مع هذه الفئة كانت، بلا مبالغة، كارثية. آلاف الضباط والجنود أُحيلوا إلى التقاعد القسري، لا كإجراء إداري طبيعي، بل كإقصاء جماعي. ضباط كانوا يقودون كتائب، وجنود كانت لهم مكانة اجتماعية، وجدوا أنفسهم فجأة في بيوتهم بلا عمل، بلا أفق، وبلا أي شعور بالكرامة.

الضربة لم تتوقف عندهم. أبناؤهم، الذين كانوا يحصلون على تعليم مقبول وامتيازات اجتماعية معقولة، سقطوا في فراغ اقتصادي قاسٍ. كثيرون اضطروا إلى ترك التعليم مبكرًا، لا لأنهم لا يريدونه، بل لأن أسرهم احتاجت كل يد للعمل. ولهذا تحديدًا، اغترب عدد هائل من أبناء يافع، والمناطق الشمالية من الضالع، إلى السعودية في سن مبكرة، وبظروف شديدة القسوة.

هذه الخلفية تفسّر كثيرًا مما نراه اليوم: حدة في الخطاب، لغة غاضبة، ضعف في أدوات التعبير، وحتى أخطاء لغوية فادحة في وسائل التواصل الاجتماعي. هذا ليس انتقاصًا ولا سخرية، بل نتيجة حرمان طويل من التعليم والاستقرار والعدالة الاجتماعية.

في المقابل، لم تُكسر حضرموت بالطريقة نفسها. لم تُستهدف بنيتها الاجتماعية والعسكرية بهذا الشكل، فاحتفظت بشبكاتها التجارية واقتصادها ومسار مختلف للتكيف بعد 1994، رغم التهميش السياسي. عدن أيضًا شهدت، رغم كل شيء، نهضة عمرانية ومحاولات لبناء بنية تحتية، حتى وإن شابها فساد واختلالات كبيرة.

هذا التفاوت خلق شعورًا عميقًا لدى أبناء الضالع ويافع وردفان بأنهم الخاسر الأكبر من الوحدة، وأن الدولة لم تكن عادلة معهم لا بعد 1994 ولا بعدها. حاول علي عبدالله صالح لاحقًا استقطاب بعضهم، لكن بأسلوب انتقائي وفوقي، زاد الإحساس بالظلم بدل أن يعالجه.

من هنا يمكن فهم لماذا يُقابل أي طرح اليوم يتضمن كلمة “الوحدة” أو “اليمن” برفض غريزي في هذه المناطق. ليس لأن الفكرة بذاتها سيئة، بل لأن التجربة المرتبطة بها كانت مهينة وقاسية. وفي الوقت نفسه، يدرك كثيرون منهم أن أي دولة جنوبية بلا حضرموت ليست دولة قابلة للحياة، لأن الثروة هناك، ولأن الجغرافيا والاقتصاد لا يسمحان بقيام كيان محصور في ما يُسخر منه اليوم بـ“مثلث الدوم”.
تعبيرا عن قلة موارده وو تعبير غير مقبول..

لم تكن القضية الجنوبية، خلافًا لما يُروَّج اليوم، قضية مُهمَلة أو بلا مسار سياسي قبل الحرب. فقد خضعت لنقاش واسع ومعمّق في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وجرى التوافق حينها على حلول جوهرية غير مسبوقة: دولة اتحادية، أقاليم بصلاحيات واسعة، شراكة عادلة في السلطة والثروة، وضمانات دستورية لمعالجة آثار 1994 وما قبلها. لولا الانقلاب الحوثي، لكانت هذه المخرجات قد دخلت حيّز التنفيذ، وغيّرت شكل الدولة اليمنية جذريًا.

غير أن ما حدث لاحقًا كان انقلابًا من نوع آخر داخل الجنوب نفسه. فبعد الحرب، مُنح المجلس الانتقالي بدعم خارجي صلاحيات وقدرات فاقت كل المكونات السياسية، وتحوّل تدريجيًا من طرف ضمن معادلة إلى لاعب مهيمن على القرار في عدن، حتى بات عيدروس الزبيدي عمليًا يتحكم بمسار مجلس القيادة الرئاسي، ويعطّل قرارات الحكومة، ويعيد تعريف “القضية الجنوبية” خارج أي إطار وطني أو توافقي.

ومن هنا بدأت المأساة الحقيقية…

المأساة الحقيقية بدأت حين استغلت قيادات من الضالع، ومعها جزء من يافع، هذا الجرح العميق، لا لمعالجته، بل لتوظيفه سياسيًا. هذه القيادات رهنت القضية الجنوبية لمشروع خارجي تقوده دولة وظيفية هي الإمارات، دولة لا ترى في الجنوب سوى أداة، ولا في أبنائه سوى وقود. سلمت القرار السياسي، وانخرطت في فساد مالي وإداري فاح في عدن وغيرها، فساد لا يقل بل ربما يفوق فساد عهد صالح، لأنه جرى باسم “القضية” لا باسم الدولة.

وحين جاءت لحظة المواجهة، لم تبقَ هذه القيادات مع قواعدها، بل هربت، تاركة أبناء الضالع ويافع في الواجهة. هنا تحديدًا قُطع الطريق معها، ليس استهدافًا للمناطق، بل رفضًا لتحويل مظلومية حقيقية إلى أداة تخدم مشاريع تهدد اليمن وجيرانه، وتخدم أجندات إقليمية خطيرة.

اليوم، تقف هذه المناطق أمام فرصة نادرة. القضية الجنوبية لم تعد منسية كما كانت في 1994. معظم مطالبها السياسية أُقرت في مؤتمر الحوار الوطني: دولة اتحادية، أقاليم بصلاحيات واسعة، شراكة في السلطة والثروة. حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى عبّرت بوضوح عن رؤيتها، لا للإقصاء ولا للإلحاق، بل لدولة عادلة تحفظ الخصوصيات. وهذا لا يُقصي الضالع ويافع، بل يمنحهما موقعًا طبيعيًا داخل إقليم عدن، بصلاحيات حقيقية، وقوات يمكن دمجها في جيش وطني محترف، وحقوق ومرتبات ومستقبل لأبنائهم.

المملكة العربية السعودية، بخلاف المشاريع الوظيفية، أعلنت التزامها بمعالجة القضية الجنوبية معالجة شاملة وعادلة، لا تنتقص من حقوق أحد، ولا تعيد إنتاج مظالم الماضي. هذه فرصة حقيقية، لكنها لن تُمنح لمن يصرّ على الارتهان والهروب، بل لمن يملك شجاعة المراجعة.

الفهم هنا ليس ضعفًا، بل شرط أي حل حقيقي.
والاعتراف بالجراح لا يعني البقاء أسرى لها، بل تجاوزها.
الجنوب، والضالع ويافع في قلبه، بحاجة اليوم إلى عقل سياسي جديد، لا إلى قيادات باعت القضية وهربت..