أخبار وتقارير

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 05:40 م بتوقيت اليمن ،،،

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي


نقف اليوم في العالم العربي أمام مصير مجهول وحروب تفكيك الأوطان بفعل قوى داخلية وخارجية مدخلها إثارة الصراعات الطائفية الدينية - المذهبية، السلالية والمناطقية، ومن خلال المدخل الطائفي جرى تشكيل تنظيمات جهادية سنية وشيعية تمتلك المليشيات التي شكلت دول داخل الدولة، وحذت حذوها قوى غير دينية وشكلت مليشياتها، وجميعها تمول وتسلح من دول أخرى؛ حزب الله، أنصار الله، أنصار الشريعة، النصرة، الحشد الشعبي، وكانت النتيجة حروب أهلية وتدخل خارجي وحروب بالوكالة في معظم بلدان العالم العربي: اليمن، وسوريا، والعراق، ولبنان، وليبيا، والسودان، ودول عربية أخرى مهددة وعلى رأسها أهم دولة عربية - جمهورية مصر العربية.

لقد حقق هذا المشروع التدميري غايته بتفكيك الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتدمير كل ما أنجز في القرن العشرين في هذه البلدان، وتشريد عشرات الملايين في الداخل والخارج، وتحطيم البنية التحتية، وأعيد بالأجيال الحالية إلى زمن الخرافة والاستسلام الذي زاد من تأثيره الفقر والبطالة التي جعلت الطبقات الفقيرة وقودًا للحرب وخارج التعليم والتطبيب، وبذلك فقد اليسار منجزات نضاله في تحقيق بعض من العدالة الاجتماعية.

لقد أدت الحرب في اليمن إلى تدهور حاد وغير مسبوق ترتب عليها صيرورة 80% من السكان تحت خط الفقر ويحتاجون إلى مساعدات إنسانية، ويعاني ما يقرب من نصف السكان من شح الغذاء والجوع، وشرد ما يقرب من خمسة ملايين إنسان في الداخل والخارج بفعل استمرار الحرب لأكثر من عشر سنوات التي يساهم في استمرارها التدخل الخارجي والانقسامات السياسية الحادة وتعدد الأطراف المسلحة الممولة والمسلحة من الخارج- خاصة الامارات العربية وقطر والى جانب ايران.

لقد حل اقتصاد الحرب محل الاقتصاد الوطني وتوقفت التنمية، الأمر الذي ترتب عليه فقدان أي مستوى عادل لتوزيع الموارد والثروات، وتمكن أمراء الحرب من احتكار سلطات الأمر الواقع والثروة، مما زاد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين المدن والأرياف، وأجبر الفقراء لأن يجعلوا من أبنائهم وقودًا للحرب، وبالتالي فُقد الحد الأدنى من تكافؤ الفرص في مجال التعليم والتطبيب، وفقد التعليم جودته بصورة مطلقة خاصة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، وصار في هذه المناطق أكثر من مليوني طفل سنويًا خارج التعليم، ودمرت العملية التعليمية بأكثر من طريقة، مثل استبدال المناهج الحديثة بتعليم تقليدي، وحرمان المعلمين وأساتذة الجامعات ومراكز الأبحاث من المرتبات، وفقد النظام الصحي في هذه المناطق كل مقوماته، وإمعانًا في حرمان المجتمع من كل إمكانية للعيش شن الحوثي حملات اعتقالات استهدفت من يقومون بجهود أساسية لخدمة المجتمع شملت العاملين في مجال حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، والتنمية، والتعليم وبناء السلام، لأن الفقر والبطالة يحققان مصالح المليشيا بتغذية الصراع بالمقاتلين.

ثمة ثلاثة مشاريع إقليمية دولية عملت وتعمل على تفكيك الدولة في العالم العربي وإحلال المليشيات محلها، وهي:

1- المشروع الأول- المشروع الغربي ممثلًا في الكيان الصهيوني المحتل، وهو مشروع جعل الغرب يتخلى عن النهج العلمي ويستخدم الأيديولوجية الدينية القائم على ثالوث الخرافة: تسمية الكيان اللقيط في فلسطين والمحتلين لأرضها والمستوطنين فيها والذين أتى بهم الغرب من أوروبا باسم بني إسرائيل- القبيلة السبئية العربية التي بادت ككثير من أقوام العرب التي سادت ثم بادت، ونفس الحال استخدم خرافة معاداة السامية، بينما هؤلاء اليهود هم مواطنون أوروبيون ولا علاقة لهم بجزيرة العرب التي يطلق على سكانها الساميون، وليس ليهود أوروبا المحتلين لفلسطين أية علاقة ببني العابر، فعابر هو أحد أجداد العرب جميعهم.

ويحتل الرأسمال الغربي اليوم فلسطين باسم خرافة الأرض الموعودة، وهي خرافة صار يروج لها أبناء جلدتنا من الحكام العرب، وتشارك المشاريع الأخرى الإيرانية والتركية بتفكيك الشعب الفلسطيني وتقسيم فلسطين إلى ضفة وغزة.

2- المشروع الثاني- المشروع الإيراني الديني الذي غايته استعادة الإمبراطورية الفارسية التي سقطت على يد العرب، والذي باستخدامه الأيديولوجيا المذهبية تمكن من تغذية الصراع وإشعال الحروب الأهلية باسم الشيعة والسنة، وتمكنت إيران بذلك من تدمير الدولة في اليمن وسوريا وإضعافها في لبنان والعراق.

ومؤخرًا تمكن المشروع الصهيوني والعثماني من إخراج إيران من سوريا ولبنان وتبقى لديها الحوثي في اليمن كمنصة لإطلاق صواريخها ومسيراتها لاستمرار الحرب في اليمن ولإيذاء خصومها وكورقة في مساوماتها مع دول الغرب والخليج العربي، وترتب على ذلك تدمير ما تبقى لليمن من مقدرات وبنية تحتية: مطارات، وموانئ، ومصانع، وكهرباء.

والساحة اليمنية صارت ساحة مباحة للمشاريع الثلاثة عبر الحوثي ووكلاء قطر والامارات.

3- المشروع الثالث- المشروع العثماني الذي أوصل أذرع تركيا من التنظيمات الإسلامية إلى المساهمة في تفكيك سوريا وليبيا، وهي اليوم تسيطر بها على الجزء الكبير من سوريا وعلى جزء من ليبيا. وبدأت بتنفيذ نفس المشروع في اليمن؛ إذ أعلنت عناصر القاعدة التي التحقت بتنظيم النصرة في سوريا عن تنظيم سُمي بـ(التحرير والتغيير) وذلك في محافظة حضرموت، لتكرار تجربة أدلب. وستجد فرصة سانحة نتيجة لمساعي دول الجوار الى السيطرة على هذه المحافظة عن طريق وكلائها المحليين.

بيد أن هذه المشاريع المدمرة للعالم العربي لا يراها بعض اليسار العربي الذي تقوقع داخل مفاهيم جامدة لا تتحرك بتغير الأحوال والأزمان، ومن ذلك مقولة: التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، فالتناقض الرئيسي يقتصر على الامبريالية الغربية ومعها إسرائيل وفقط، بل يعتبر البعض أن الأنظمة الكهنوتية كالنظام الإيراني وأذرعه التي بها مزق بلدان عربية عدة بأنها حركة تحرر، ولا يرى تخادم المشاريع الثلاثة في تقسيم الفلسطينيين، ولا تقاسم تركيا مع أمريكا وإسرائيل النفوذ في سوريا والاشتراك في الاحتلال الثلاثي لهذا البلد العربي الكبير، ويرى في التنظيمات الجهادية التي انشأتها إيران في اليمن وسوريا ولبنان والعراق جزء من حركة التحرر.

لقد حقق اليسار العربي في القرن العشرين نجاحات مهمة بفضل اعتماد قوة المعرفة أساس للتغيير، وعملت أحزابه كمثقف جماعي وقياداته كمثقف فردي على تشخيص الواقع ونقده وتفسير العالم والعمل على تغييره، وبسبب الريادة الفكرية لليسار مثل الجبهة المتقدمة لمقاومة الغرب الاستعماري والقضاء على الأنظمة التسلطية، وكان سباقًا لمقاومة الكيان الصهيوني في فلسطين ولبنان وإخراج الاستعمار الإنجليزي من اليمن والفرنسي من الجزائر ووصلت بعض أحزابه إلى الحكم.

أمام الشباب الاشتراكي في العالم العربي تنتصب مهام ممثلة بدءً بالعودة إلى التسلح بقوة المعرفة لنقد الواقع وتفسيره والعمل على تغييره، وعلى كل شاب أن يجعل من نفسه مثقفًا حركيًا وعضوًا في المثقف الجماعي في إطار كل منظمة للشباب الاشتراكي على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي أو في أحزابهم.

تستهدف هذه المقالة لفت انتباه الشباب اليمني ومعه الشباب الاشتراكي العربي إلى ضرورة العمل على:

1- توحد القوى السياسية حول هدف استعادة الدولة وبناء المستقبل.

2- توحيد القوى العسكرية والأمنية وإنهاء انقسامها بما يزيل المخاطر على المركز القانوني للسلطة الشرعية ويوقف تقويض الدولة ومطامع السيطرة على سواحلها وموانئها وجزرها.

3. توحيد مواقف وأهداف السلطة الشرعية وداعميها الوطنيين والحلفاء من الأشقاء العرب وإيجاد إطار تحتكم إليه الأطراف الثلاثة في علاقتها مع بعضها.

4. إيجاد آلية وطرق تصحيح العلاقة بين السلطة الشرعية والأحزاب والمكونات السياسية والتحالف العربي ووضع استراتيجية مشتركة تلتزم بها كل الأطراف.

5. اقتراح وسائل وطرق وآليات الاعتماد على الذات ومغادرة حالة الركون على الدول الشقيقة وتخلي المحاربين بالوكالة عن تنفيذ المشاريع غير الوطنية وانهاء الصراع الداخلي في اطار مجلس الرئاسة والحكومة وفي المحافظات الشرقية.

وتطرح هذه المقالة الأسئلة التالية على السلطة الشرعية والأحزاب والقوى السياسية الداعمة لها، والإجابة عليها سوف تمثل رؤية للإصلاح الشامل الذي سوف يوفر ضمانة للإصلاحات الجزئية التي بدأتها الحكومة في المجال الاقتصادي.

1- ما أسباب ضعف الدولة واخفاقات وفشل وعدم فاعلية هيئات الدولة: التنفيذية والتشريعية؟ وما أسباب استمرار الخلافات بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي للعام الرابع منذ تشكيله؟

2- ما هي الأسباب التي أدت إلى استمرار الخلافات بين الأحزاب والمكونات السياسية المشاركة في الحكومة ورئاسة الدولة ومجلس النواب ومجلس الشورى والهيئة الوطنية للتشاور والمصالحة، مع استمرار خطاب الكراهية/ التخوين، ولماذا تسكت هيئات الدولة والأحزاب على هذا الوضع؟

3- ما الذي جعل ولاءات أحزاب وتكوينات سياسية تتوزع بين دول عربية وإسلامية؟ وما سبب انعكاس الخلافات بين هذه الدول على العلاقة بين الأحزاب والمكونات السياسية؟

4- ما أسباب تأسيس وتشكيل وتمويل تكوينات عسكرية وأمنية لا تخضع لوزارتي الدفاع والداخلية؟ وتستخدم الان لتفكيك اليمن وممارسة دور مليشيات الحوثي، ولماذا تم السكوت عن استمرار هذه التكوينات واستمرار قادتها، بعد أن تشكل منهم مجلس القيادة الرئاسي، في قيادة هذه التكوينات أو قيادتها من قبل أحزابهم، وما الهدف من استمرار هذه الحالة؟ هل هو تحقيق مشاريع صغيرة ام القضاء على الكيان الوطني برمته؟

5- ما الموانع التي حالت دون تأهيل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية للسلطة الشرعية بإقامة جيش بري حديث وقوات بحرية ودفاع ساحلي وقوات جوية ودفاع جوي وتمكينه من امتلاك الأسلحة الحديثة بما يحقق منع تفكيك اليمن من قبل تشكيلات عسكرية مدعومة من الخارج والحفاظ على سيادة واستقلال اليمن وسلامة اراضيه؟

6- لماذا سكت مجلس القيادة الرئاسي عن تنفيذ اتفاق الرياض وأحكام إعلان نقل السلطة خاصة فيما يتعلق بإنهاء الانقسام في القوات المسلحة والأمن وتحقيق تكامل القوات تحت هيكل قيادة وطنية موحدة؟

7- لماذا تم السكوت عن اخفاق وفشل السلطة الشرعية في إدارة المناطق المحررة وإدارة الملف الاقتصادي وإدارة الدولة اجمالًا وإدارة المعركة لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب؟

8- لماذا يستمر سكوت القائمين على السلطة على انتهاك سيادة اليمن؟ وما هي التدابير التي اتخذتها سلطات الدولة ضد قرصنة الحوثي في البحر الأحمر؟ ولماذا تمارس هذه السلطة فقط الشجب والتنديد التي ليس من مهامها؟

9- ما الموانع التي حالت دون السلطة الشرعية وإدارة الجزر والموانئ اليمنية التي صارت مستباحة لدول شقيقة مثل الامارات العربية المتحدة التي صارت تعمل بصراحة ووضوح وبصورة معلنة على تفكيك اليمن وربما من ورائها دول استعمارية وكيانها الصهيوني؟

10- ما هي التدابير التي يمكن أن تؤهل السلطة الشرعية لمواجهة التحديات وتجاوز المخاطر من أجل إنهاء التمرد واستعادة الدولة، وإنهاء عربدة مليشيات الحوثي واستمرارها في إلحاق الضرر بمقدرات اليمن؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة لم تعد تحتمل الانتظار لان اليمن وفقاً للأحداث الأخيرة في المناطق المحررة صارت امام خطر وجودي يستدعي نهوض كل ابناءه لمواجهته، والسعي لدى الأشقاء العرب وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية لإنقاذ الكيان اليمني من التفكك والضياع، وتحرك الدبلوماسية الرسمية والشعبية في كل العالم لشرح المأساة اليمنية وطلب التضامن مع اليمن ارضاً وشعباً، ٍوهي المهمة التي يجب ان تقودها السلطة الشرعية التي لا زالت تؤمن بواجبها تجاه الوطن والتراب الوطني والمواطن، وأن تقر السلطة الشرعية وداعميها الداخليين والخارجيين بمسؤوليتهم عن الفشل والاخفاق وسكوتهم عن وجود تشكيلات عسكرية خارج سلطات الدولة ووجود سلطات موازية في المناطق المحررة والسماح بالخروج على الدستور والقانون ومرجعيات الفترة الانتقالية، وصدور اعتراف من هذا القبيل سوف يمثل الخطوة الأولى لمغادرة الفشل وخذلان اليمن واليمنيين.

*المضمون الرئيس لهذه المقالة من محاضرة قدمت في مؤتمر الشبيبة الاشتراكية الديمقراطية في العالم العربي المنعقد في الرباط في شهر مايو من العام 2025