أخبار وتقارير

الجمعة - 09 يناير 2026 - الساعة 03:17 م بتوقيت اليمن ،،،

حافظ الشجيفي


في قراءة سياقات التاريخ الكبرى التي تزدحم بها منطقتنا، وفي غمرة التحولات التي تعصف بالكيانات والخرائط، يجد المتابع نفسه أمام لحظة صدام حقيقي بين منطق الدولة وبين ضرورة الهوية، وبين أدوات السياسة وبين تطلعات الشعوب، ولعل ما حملته الأنباء اليوم من صدور بيان عن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي من مقر إقامته في الرياض يقضي بحل المجلس وتصفيته، يضعنا وجها لوجه أمام مشهد يتجاوز في دلالاته مجرد الإجراء التنظيمي،

فبرغم أن القواعد الراسخة في أدبيات العمل المؤسسي تقتضي أن يصدر مثل هذا القرار المصيري عن رئيس المجلس وبموافقة اعضاء هيئة الرئاسة كما تقره اللوائح الداخلية للمجلس، إلا أن القضية في جوهرها تذهب إلى ما هو أبعد من الشكل، فبصفتي واحدا من أبناء الجنوب الذين شهدوا مخاض هذا الكيان الذي تشكل قبل عقد من الزمان كقالب يختزل إرادة شعب في الاستقلال واستعادة الدولة، فإني لا أجد حرجا ولا أرى مشكلة في تفكيك هذا القالب أو إنهاء دوره التمثيلي، إذا ما توفر البديل الوطني الذي يستوعب المهمة التي أوكلها الشعب للمجلس،

وإذا ما وجد التفسير الصادق والمقنع الذي يمنح هذا الإجراء مشروعيته الأخلاقية والتاريخية، غير أن التذرع بأن حل المجلس يأتي كمقدمة أو مبرر للاستعداد لمتطلبات الحوار الجنوبي الجنوبي المرتقب، يمثل في تقديري منزلقا منطقيا وفكريا محفوفا بالمخاطر، بل إنه يشكل نوعا من الاستفزاز السياسي الذي لا يمكن التغاضي عنه،

إذ إن المألوف في تجارب الصراع والوفاق الوطني أن يكون حل الكيانات القائمة هو الثمرة التي ينتهي إليها الحوار إذا ما اقتضت المصلحة العليا ذلك، وليس أبدا أن يكون سببا سابقا له أو شرطا لانعقاده، فالسير في هذا الطريق الوعر سيؤدي بالضرورة إلى أن يفسر الشارع الجنوبي هذا الإجراء بأنه محاولة قسرية لكسر إرادته وتصفية قضيته الوطنية والالتفاف على حقوقه، وهو ما سيخلق حالة من الرفض المسبق والعداء المطلق لكل ما يمكن أن يتمخض عنه الحوار من نتائج، حتى وإن شاركت فيه الرموز القيادية وعلى رأسها عيدروس الزبيدي،

ذلك أن الشعوب لا تتقبل النتائج التي تبنى على مقدمات خاطئة أو إجراءات مهينة لكرامتها السياسية حتى لو كانت تلك النتائج تصب في مصلحتها، فاتخاذ قرار بحل المجلس من خارج الجغرافيا الجنوبية وبهذه الكيفية المباغتة لا يفتح بابا للحلول، بل يغرس في نفوس الناس نزعات الرفض الصلب والتمسك بالاستقلال الناجز كخيار وحيد لا يقبل المساومة،

لأن تغييب الأداة التمثيلية قبل نضوج البديل سيعزز الاعتقاد بأن مخرجات الحوار كانت معدة سلفا ومعلبة في غرف مغلقة بعيدا عن نبض الجماهير، وهذا يعني ببساطة أننا نمضي في رحلة عبثية نعالج فيها المشكلات بصناعة مشكلات اكبر وأشد ضراوة وأكثر تعقيدا منها بينما تظل الحلول الجذرية الصادقة مرهونة بوجود عقول تدرك أن مصائر الشعوب لا تقرر ببيانات إدارية طارئة، بل بوعي عميق يحترم إرادة الناس ويجعلها هي المبدأ وهي المنتهى في كل مسار وطني أصيل.