أخبار وتقارير

الأربعاء - 07 يناير 2026 - الساعة 06:31 م بتوقيت اليمن ،،،

إرم نيوز


يبرز تحرك جماعة الإخوان المسلمين في اليمن خلال الأيام الأخيرة على مستوى يتجاوز حدود البلاد، ويتقاطع مع نشاط سياسي وتنظيمي أوسع للتنظيم العالمي.

يأتي ذلك في لحظة يشهد فيها المشهد اليمني توترًا متصاعدًا بين سلطة الأمر الواقع بقيادة رشاد العليمي، والمجلس الانتقالي الجنوبي. 

هذا التحرك بطبيعة الحال لا يمكن فصله عن الاجتماع الذي عقده التنظيم الدولي للإخوان في إسطنبول مطلع الأسبوع الجاري، والذي شكّل محطة تنسيق مباشرة مع الفروع النشطة في ساحات النزاع المفتوحة، وفي مقدمتها اليمن

ترتيب التحركات في اليمن
اجتماع إسطنبول الذي لم يُخصّص لمتابعة ملف واحد، جمع قيادات من التنظيم الدولي للإخوان ومسؤولين عن ملفات إقليمية حساسة، في توقيت تشهد فيه الجماعة تضييقًا سياسيًا وقانونيًا في أكثر من دولة.

ووفق تقديرات سياسية متقاطعة، ركّز الاجتماع على كيفية التعامل مع ساحات النزاع التي ما تزال تسمح بهوامش حركة سياسية، وعلى رأسها اليمن.

النقاش في إسطنبول بحسب مصادر "إرم نيوز"، انصبّ على تنسيق السلوك السياسي للفروع المحلية، وضبط إيقاع تحركاتها بما يخدم بقاء التنظيم فاعلًا في مشاهد تشهد اختلالات داخلية واضحة.

اليمن، في هذا السياق، كان حاضرًا باعتباره إحدى الساحات التي تتداخل فيها السلطة الهشة مع الصراع المفتوح، وتسمح بتداخل الأدوار بين السياسي والعسكري.

ووفق المصادر، فإن الجديد في الملف اليمني يتمثل في أن هذا التوتر بات يُستثمر سياسيًا بشكل أكثر وضوحًا من قبل الإخوان، عبر دفع أدواتهم المحلية إلى توسيع هامش الحركة داخل المشهد القائم، وهذا الاستثمار يعتمد على تعميق الأزمة، وإدارتها بما يخدم مصالح الجماعة.

وفي هذا الإطار، يتحرك الإخوان من داخل السلطة القائمة، مستخدمين الغطاء السياسي القائم، ومراهنين على استمرار حالة الاشتباك مع المجلس الانتقالي الجنوبي، كونها حالة تستنزف الخصوم، وتمنع تثبيت أي معادلة مستقرة في الجنوب.

مسار تصعيد واحد
التحركات الإخوانية في اليمن لا تجري بمعزل عن التنسيق مع القوى العسكرية المرتبطة بما يسمى برئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، حيث يظهر هذا التنسيق من خلال تلاقي المسارات السياسية والعسكرية، واستخدام القوة الرسمية كأداة ضغط ضمن الصراع القائم.

إن ما يتعرّض له الجنوب في هذه المرحلة لا يمكن قراءته إلا كسلوك منظم يهدف إلى إبقاء الوضع مفتوحًا على التصعيد، فهم إلى جانب سلطة العليمي يعملون على تعطيل أي مسار يمكن أن يؤدي إلى استقرار سياسي أو إداري في الجنوب.

هذا السلوك يتقاطع بشكل مباشر مع مخرجات التنسيق الذي جرى في إسطنبول، حيث جرى التعامل مع اليمن كأحد ميادين الضغط الممكنة في مرحلة إقليمية ضاغطة على التنظيم.

والجنوب بما يحمله من ثقل سياسي وميداني، يتحوّل في هذه المقاربة إلى هدف مباشر، بسبب ما يمنعه من تحقيقه، والذي يتمثل بتثبيت واقع سياسي مستقل عن نفوذ الإخوان وغيرهم من الجماعات الإرهابية.

وبحسب المصادر، فإن التحرك الإخواني في اليمن لا يمكن فصله عن موقع الجماعة في الإقليم، فالتنظيم العالمي يسعى إلى تعويض خسائر متراكمة عبر الحفاظ على نقاط تماس نشطة، تتيح له البقاء حاضرًا في الحسابات الإقليمية.

واليمن بما يحمله من تعقيد وتداخل، يوفّر هذا النوع من الحضور، وهذا النهج يعمّق الانقسام، ويحوّل التوتر القائم إلى أداة سياسية دائمة، تُستخدم كلما احتاج التنظيم إلى رفع منسوب حضوره أو تحسين شروطه في معادلات أوسع.

الإخوان وسلطة العليمي
يقول مصدر سياسي يمني لـ"إرم نيوز"، إن جماعة الإخوان في اليمن كثّفت خلال الفترة الأخيرة تحركاتها السياسية داخل دوائر القرار في سلطة العليمي، مستفيدة من حالة التوتر القائمة مع المجلس الانتقالي الجنوبي.

ويضيف أن الإخوان لا يتحركون كطرف معلن، بل يعملون عبر قنوات رسمية وشخصيات محسوبة على سلطة العليمي، بما يسمح لهم بالتأثير في اتجاه القرارات من دون تحمّل كلفة المواجهة المباشرة.

ويتابع المصدر أن ما جرى بعد اجتماع التنظيم الدولي للإخوان في إسطنبول، كان لتنظيم التعامل مع الواقع القائم، وضبط إيقاعه بما يخدم مصالح الجماعة.

ويوضح أن النقاشات التي دارت خارج اليمن، ركّزت على كيفية إبقاء التوتر السياسي مفتوحًا، ومنع انتقاله إلى تسوية واضحة، لأن أي تسوية مستقرة ستؤدي تلقائيًا إلى تقليص دور الإخوان داخل المعسكر القائم.

ويقول المصدر إن الإخوان ينظرون إلى العليمي باعتباره غطاءً سياسيًا مناسبًا في هذه المرحلة، موضحًا أن الجماعة لا تراهن على شخصه بقدر ما تراهن على موقعه، وعلى هشاشة التوازنات داخل سلطته.

هذا الوضع، بحسب المصدر، يمنح الإخوان هامشًا واسعًا للمناورة، ويُصعّب محاسبتهم أو تحميلهم مسؤولية مباشرة عمّا يجري.

ويضيف أن التوتر مع المجلس الانتقالي الجنوبي، يُستخدم من قبل الإخوان كأداة لإعادة تثبيت حضورهم داخل معسكر العليمي.

اليمن كحلقة في استراتيجية إقليمية
من جهته، يرى الباحث المصري المختص في شؤون التنظيمات الإسلامية والحركات العابرة للحدود، أحمد كمال، أن ما يجري حاليًا في اليمن لا يمكن فصله عن المسار العام لجماعة الإخوان في المنطقة، معتبرًا أن الجماعة انتقلت خلال السنوات الأخيرة من منطق السعي إلى السلطة إلى منطق العمل داخل الفوضى. 

ويقول كمال خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، إن الإخوان لم يعودوا يطرحون أنفسهم كبديل حكم، بل كطرف قادر على تعطيل أي مسار لا يمرّ عبرهم، مستفيدين من هشاشة الدول ومن صراعات داخلية مفتوحة.

ويضيف أن اليمن يشكّل نموذجًا واضحًا لهذا التحوّل، حيث لا يعمل الإخوان على بناء نفوذ مستقل، بل على التموضع داخل بنى قائمة واستغلال تناقضاتها.

والجماعة بحسب كمال، تدرك أن أي استقرار سياسي فعلي في اليمن، وخصوصًا في الجنوب، سيؤدي إلى تحييدها نهائيًا، لذلك تسعى إلى إبقاء المشهد غير محسوم.

ويشير إلى أن التنظيم الدولي للإخوان يلعب دورًا محوريًا في هذا المسار.

ويتابع كمال: "الاجتماعات الخارجية مثل اجتماع إسطنبول، يستخدم لضبط إيقاع التحركات المحلية، ومنعها من الخروج عن الخط الذي يخدم مصلحة التنظيم على المدى الإقليمي. اليمن في نظر الإخوان، بالتأكيد جزء من شبكة أزمات تُدار بالطريقة نفسها". 

ثالوث التوتر
بدوره، اعتبر الباحث المتخصص في ديناميات النزاعات والحركات السياسية، ريتشارد كولينز، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن اليمن يعيش اليوم حالة توتر مُدار، تشارك في إنتاجها ثلاثة أطراف رئيسة؛ ميليشيا الحوثي، وجماعة الإخوان المتمثلة بحركة الإصلاح، ورشاد العليمي بوصفه رأس سلطة أمر واقع عاجزة عن فرض مسار واضح.

ويرى كولينز أن الإخوان في اليمن لا يعملون كقوة معارضة ولا كقوة حاكمة، بل كطرف يستفيد من غياب القرار الحاسم.

ويقول: "هذا الموقع يسمح لهم بالتحرّك بين الخطوط، واستخدام مؤسسات رسمية كأدوات ضغط، من دون تحمّل مسؤولية سياسية مباشرة".

ويضيف أن هذا الدور لا يقل خطورة عن الدور العسكري للحوثيين، لأنه يُنتج شللًا سياسيًا طويل الأمد.

وفي تحليله لدور رشاد العليمي، يذهب كولينز إلى أنه بات جزءًا من معادلة توتر ثلاثية، حيث يلتقي العجز السياسي مع الفعل الإخواني ومع واقع سيطرة الحوثيين في مناطق أخرى، ليُنتج مشهدًا لا يتحرّك نحو تسوية ولا نحو حسم.

ويشير كولينز إلى أن المجتمع الدولي يخطئ حين يتعامل مع هذه الأطراف كمشاكل منفصلة.

ومن وجهة نظره، "الإخوان والعليمي والحوثيون باتوا يمثلون شبكة توتر واحدة، لكل طرف دوره المختلف، لكن النتيجة واحدة: إطالة أمد الصراع ومنع إعادة تشكيل المشهد اليمني على أسس مستقرة".