أخبار وتقارير

الأربعاء - 07 يناير 2026 - الساعة 04:59 م بتوقيت اليمن ،،،

توفيق جوزليت


أفرزت التحولات التي شهدها جنوب اليمن خلال السنوات الأخيرة واقعًا قانونيًا وسياسيًا معقدًا، بات فيه التدخل العسكري والسياسي السعودي يتجاوز إطار “الدعم” أو “التحالف”، ليقترب من نموذج الاستعمار الجديد كما استقر في القانون الدولي المعاصر. وفي المقابل، برز المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل مركزي في إعادة تشكيل معادلة المقاومة، ليس فقط بوصفه قوة ميدانية، بل كإطار سياسي يعبر عن إرادة شعبية جنوبية ويخوض صراعًا متعدد الأبعاد: قانونيًا، سياسيًا، ودبلوماسيا

يعتمد القانون الدولي الحديث مفهومًا موسعًا للاستعمار، لا يقتصر على الاحتلال التقليدي، بل يشمل: السيطرة الفعلية على القرار السياسي لإقليم ما و فرض ترتيبات أمنية وسياسية بقوة خارجية وحرمان شعب من ممارسة حقه في تقرير المصير ..فعليه أي تدخل يؤدي عمليًا إلى مصادرة الإرادة الشعبية وإخضاع القرار الوطني لإملاءات خارجية يُعد، قانونيًا، صورة من صور الاستعمار الجديد.

يتجلى التدخل السعودي في الجنوب من خلال استخدام القوة العسكرية وآثارها على المدنيين و التحكم في الترتيبات الأمنية والسياسية المحلية يشكل،ووفق القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان انتهاكًا لمبدأ سيادة الشعوب و مساسًا بحق تقرير المصير وإخلالًا بواجب حماية المدنيين

سياسيًا، أسهم هذا التدخل في إضعاف ما يُسمى بالشرعية التقليدية . و خلق فجوة متزايدة بين الواقع الشعبي والتمثيل السياسي المفروض .وهو ما أدى إلى فقدان أي إطار سياسي لا يستند إلى الإرادة الجنوبية لشرعيته الفعلية.

أفرز هذا التدخل العسكري واقعا جديدا للمجلس الانتقالي بوصفه فاعلًا سياسيًا جامعًا، و إعادة تنظيم المقاومة الجنوبية ضمن معادلة جديدة قوامها الشرعية السياسية المستمدة من قاعدة شعبية واسعة و تمثيل فعلي لمطالب الجنوب و قدرة تنظيمية وسياسية واضحة وهو ما يمنحه شرعية تمثيلية واقعية، حتى في ظل غياب الاعتراف الدولي الكامل.

الواقع الحالي يتطلب من الإنتقالي مقاومة سياسية و ديبلوماسية في إطار استراتيجية تقوم على تدويل القضية الجنوبية و توظيف الخطاب القانوني والحقوقي و الانخراط السياسي الإقليمي والدولي وهي أدوات تتوافق مع مبادئ العمل السياسي المشروع في القانون الدولي.

في حال تعرّض المدنيون للقصف أو القتل، يقرّ القانون الدولي حق الدفاع المشروع وحق الشعوب الواقعة تحت السيطرة الخارجية في حماية نفسها .. وعليه، فإن أي تحرك دفاعي منضبط يهدف إلى ردع الاعتداءات وحماية المدنيين، دون استهداف غير مشروع، يندرج ضمن الإطار القانوني للدفاع المشروع، لا ضمن العنف المحظور.

ليس هناك أدنى شك أن استمرار التدخل العسكري السافر و القسري سوف يؤدي إلى فشل المقاربة العسكرية في فرض شرعية سياسية مع هشاشة التحالفات القائمة على القوة و تصاعد كلفة التدخل سياسيًا وأخلاقيًا

توصيف التدخل السعودي في جنوب اليمن بوصفه استعمارًا جديدًا يستند إلى معايير قانونية وسياسية واضحة، لا إلى موقف أيديولوجي. وفي المقابل، يشكل المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم محور المعادلة الجديدة للمقاومة، بوصفه تعبيرًا عن إرادة شعبية تسعى إلى استعادة القرار الوطني عبر أدوات سياسية وقانونية، مع الاحتفاظ بحق الدفاع عن المدنيين في مواجهة الانتهاكات.

وتؤكد هذه الحالة أن حق تقرير المصير لا يسقط بالتدخل ، والمقاومة ليست نقيض القانون، بل قد تكون إحدى وسائله ..وأن مستقبل الجنوب سيُحسم بمدى احترام الإرادة الشعبية، لا بميزان القوة وحده.