أخبار وتقارير

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 01:58 م بتوقيت اليمن ،،،

مختار الدبابي


ينظر إلى تفاعل المجلس الانتقالي الجنوبي بالإيجاب مع مؤتمر الحوار الجنوبي الذي عرضته السعودية على أنه خطوة ذكية سواء أكان ذلك نابعا من موقف مبدئي أم مجرد تكتيك لتجنب العاصفة.

النتيجة الأولى، وهي الأهم أن المجلس أطفأ فتيل توتر مع السعودية كان سيتحول سريعا إلى مواجهة عسكرية فعلية مع القوات السعودية وقوات درع الوطن اليمنية الموالية للشرعية والتي دربتها الرياض وجهزتها لمثل هذه الطوارئ. لقد فوت المجلس الفرصة التي كانت أطراف مختلفة تنتظرها لتفكيك قوته وإضعافه والقضاء على نفوذه السياسي داخل الشرعية، وخاصة منع تشكيل قوة ذاتية جنوبية وازنة للمرور إلى مرحلة الانفصال.

ومثلما أشرنا في مقال سابق، فإن التراجع عن التمدد العسكري على حدود السعودية في حضرموت والمهرة يعتبر نصف انتصار لأنه يمنع الأسوأ ويحد من الخسائر ويحافظ على كيان المجلس.

كان الانتقالي يعتقد بأن الرد السعودي لا يتجاوز البعد التحذيري لكن اتضح أن سياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح لن تمر مع السعودية، التي تسعى للتوصل إلى استقرار دائم في اليمن يؤمّن حدودها، وترفض تحويله إلى بؤرة توتر وصراعات قبلية ومناطقية.

والنتيجة الثانية أن الانتقالي جنب نفسه عزلة كانت ستكون شديدة ومحكمة في ظل قدرة السعوديين على كسب ود مختلف القوى المحلية والإقليمية إلى صفها، وهو ما يفسر تصريحات المحافظين المحليين في محافظات مثل حضرموت والمهرة وشبوة ممن أعلنوا ترحيبا كبيرا بفكرة المؤتمر الجنوبي الشامل لحل الخلافات بين المكونات الجنوبية المختلفة.

صحيح أن الانتقالي سيجد نفسه في مؤتمر تحضره شخصيات وكيانات صغيرة ولا توازي قدرته ووزنه، وقد ينتهي إلى مخرجات تحد من نفوذه وتمدده وتؤسس لتعدد الصوت الجنوبي داخل مؤسسات الشرعية، لكن الأهم أن المجلس سيظل محور أي خيارات جنوبية يفضي إليها مؤتمر الرياض الخاص بالكيانات الجنوبية. سيعيد المجلس تأهيل نفسه سعوديا ليعود إلى الشرعية ومؤسساتها ويحافظ على جزء من المكاسب التي كان قد حصل عليها ضمن مقاربة اتفاق الرياض السابق.

سيجد المجلس الانتقالي أنه ليس أفضل من الواقعية لمواجهة تداعيات قراره بالهجوم على حضرموت والمهرة وفرض سياسة الأمر الواقع عسكريا. لكن الأهم أن موافقته على المشاركة في المؤتمر الجنوبي بالرياض ستغلق الباب أمام الخيار العسكري خاصة مع التقدم المتسارع لقوات درع الوطن في المناطق الجنوبية والتصريحات الداعمة لها ولتوسيع دائرة الشرعية في المحافظات الواقعة تحت سيطرته.

ومن شأن هذه الخطوة أن تحد من نزوع الشرعية لوضع اليد على كل مكاسب المجلس الانتقالي وبينها السيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، التي لا يخفي المجلس نواياه في الاعتماد عليها كعاصمة دائمة في حال انفصال الجنوب ويرى فيها مجلس السيادة الرئاسي عاصمة للحكومة المعترف بها دوليا ويريد أن يمارس فيها صلاحياته كاملة، وهو ما يتعارض مع ما هو قائم حاليا، حيث يتحكم الانتقالي في كل تفاصيلها، ليظهر في صورة الطرف القوي في الشرعية ويعتقد أن شراكته في منظومة الحكم مؤقتة إلى حين تدربه على إدارة شؤون الكيان الانفصالي الذي يعتزم إنشاءه.

خلال الأيام القادمة ستتسع دائرة الجدل بين مجلس السيادة والمجلس الانتقالي حول الكثير من التفاصيل، وهو جدل يتعلق بتسجيل النقاط ومراكمتها والاستفادة منها في مرحلة مؤتمر الرياض الجديد، وسيكثر الانتقاد بشأن الوضع في عدن من مثل تقييد حركة المواطنين، في إشارة إلى حركة موجهة لاستهداف الشماليين في عاصمة للجنوب. النفخ في الصراع بين الشماليين والجنوبيين يلجأ إليه كورقة ضغط على الانتقالي الجنوبي واستثمار سياسي أكثر منه مخاوف من تأثيره على النسيج المجتمعي.

لكن هل ستقبل السعودية بأن يحافظ الانتقالي على الجزء الأكبر من مكاسبه وتتجاوز عن الخطأ الجسيم الذي قام به، أم إنها ستجد الفرصة مواتية لتحجيمه وتشجيع خصومه الجنوبيين على منافسته ولو على مستوى الحضور السياسي والإعلامي.

الأقرب واقعيا أن الرياض لن تعمل على تفكيك هذا المجلس وإنهائه، لكنها ستسعى لإحداث توازن جنوبي – جنوبي يمنع انفراده بالسلطة وبقدرات محافظات الجنوب وتحويل الانفصال إلى أمر واقع حتى لو كان مسنودا شعبيا. وربما يفضي مؤتمر الرياض الجنوبي إلى تكوين مؤسسات جنوبية ممثلة للمحافظات والشخصيات القبلية والسياسية بشكل يفتت دائرة القرار ديمقراطيا ويصعّب على المجلس الانتقالي محاولة إحياء مطالبه والعودة إلى أجندة الانفصال.

ومن المهم الإشارة إلى أن المجلس تفاعل مع مؤتمر الحوار الجنوبي بملء إرادته وليس تحت الضغط، وهو معطى يقوي فرص نجاح المؤتمر، ويعطيه مشروعية، وخاصة يظهر قبول مختلف الفرقاء الجنوبيين بالسعودية كوسيط وراع للحوارات الجنوبية – الجنوبية، ويضفي شرعية على مبادرتها والمؤتمر الذي تعتزم احتضانه، والذي سيكون مهما لإعادة إحياء مقاربة الشرعية كقوة بوجه الحوثيين.

وقبل هذا كله، كانت الإمارات قد مهدت بشكل مؤثر لمسار الحوار في الجنوب ونزع فتيل التوتر بعد أن سارعت إلى سحب ما تبقى لها من قوات في اليمن مخصصة لمكافحة الإرهاب. والرسالة كانت واضحة، الحفاظ على علاقة قوية مع السعودية التي تعتبر لدى الإماراتيين شقيقة كبرى ومحورا أساسيا في مجلس التعاون وفي العمل الخليجي.

قطع الإماراتيون الطريق على من يعملون على توسيع الهوة بينهم وبين الرياض بشأن الملف اليمني ويضخون الكثير من الإشاعات من أجل ضرب تحالف دعم الشرعية في اليمن، أي تحالف الإمارات والسعودية في مواجهة الملفات الإقليمية وخاصة مواجهة الخصوم المشتركين مثل الحوثيين والإخوان المسلمين.

ولا شك أن مشاركة الانتقالي في حوار تحت المظلة السعودية ستسحب البساط من تحت أقدام هؤلاء الخصوم وخاصة حزب الإصلاح الواجهة السياسية لإخوان اليمن، وتعيد الزخم إلى التنسيق السعودي – الإماراتي بشأن استقرار اليمن حتى وإن كانت هناك مقاربات وأفكار غير متطابقة بشأن التعامل مع الوضع في اليمن وخاصة مع الخصوم الميدانيين.

سيكون الهدف الأول هو تجميع الفرقاء الجنوبيين وإقناعهم بالجلوس معا رغم وجود خلافات كبيرة وتقاطعات في المواقف والمصالح والارتباطات القبلية، والسياسية محليا وخارجيا. تماما مثل اتفاق الرياض السابق، فإن المؤتمر الجديد سيأخذ الكثير من الوقت للتوصل إلى نتائج ملموسة، وربما يكون المناخ الداخلي والإقليمي أفضل من مؤتمر 2019، حيث تظهر السعودية حزما أكبر لدفع الفرقاء إلى التفاوض وتبني مقاربة سياسية لإدارة الخلاف بدل اللجوء إلى رفع السلاح في كل مناسبة مثلما حصل من الانتقالي في ديسمبر المنقضي.

وعملت السعودية ما في وسعها لإقناع الانتقالي الجنوبي بالانسحاب من المواقع التي سيطر عليها في حضرموت والمهرة، وأرسلت فريقا تفاوضيا من التحالف العربي لمقابلته وإقناعه بأن استمرار السيطرة ورفض الانسحاب سيضطرانها إلى التدخل المباشر.

وكانت السعودية دعت السبت إلى مؤتمر للحوار تستضيفه الرياض بين “كافة المكونات الجنوبية” في اليمن.

وقالت وزارة الخارجية السعودية في بيان إن الرياض “تدعو كافة المكونات الجنوبية للمشاركة الفعّالة في المؤتمر لإيجاد تصوّر شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية وبما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة”.

وبقطع النظر عن المخاوف من نتائجه على مكاسب بعض الأطراف مثل الانتقالي الجنوبي أو منحه مزايا ومواقع لأطراف محدودة التأثير أو مجهولة، فإن مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي سيوفر فرصة كبيرة لبناء الثقة بين الجنوبيين أولا ومع الشركاء في الشرعية اليمنية، وهي الأرضية الضرورية لإعادة تحريك مهمة تحرير صنعاء ومواجهة الحوثيين.