عرب وعالم

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 12:22 م بتوقيت اليمن ،،،

العرب


لم يكن الهجوم الأميركي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو حدثاً معزولاً أو عملية أمنية محدودة الأهداف، بقدر ما بدا مقدمة لمرحلة جديدة من التعاطي الأميركي مع أميركا اللاتينية.

وبعد ساعات قليلة من تنفيذ العملية التي هزّت المنطقة وأثارت جدلاً واسعاً حول شرعيتها القانونية وتداعياتها السياسية، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنظاره نحو كولومبيا، مطلقاً سلسلة تهديدات غير مسبوقة بحق حكومة يفترض أنها حليف تقليدي لواشنطن.

ويكشف هذا الانتقال السريع من فنزويلا إلى كولومبيا عن ملامح مقاربة هجومية جديدة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية، وتعيد طرح القوة العسكرية كأداة مركزية لإدارة النفوذ الأميركي في القارة.

وفي تصريحاته للصحفيين على متن طائرة الرئاسة، وصف ترامب كولومبيا بأنها “مريضة جداً”، واتهم قيادتها بالضلوع في صناعة الكوكايين وتهريبه إلى الولايات المتحدة، ملمحاً بوضوح إلى إمكانية تنفيذ عمل عسكري ضدها.

ولم تكن أهمية هذه التصريحات في حدّتها اللفظية فحسب، بل في السياق الذي جاءت فيه، أي بعد عملية عسكرية مباشرة ضد دولة مجاورة، ما جعل التهديد يبدو أقرب إلى سيناريو قابل للتنفيذ منه إلى مجرد ضغط سياسي.

وعندما سُئل ترامب بشكل مباشر عن احتمال القيام بعملية عسكرية ضد كولومبيا، لم يتردد في القول إن “الأمر يبدو جيداً بالنسبة لي”، في عبارة تحمل دلالات سياسية وأمنية ثقيلة.

ويعكس هذا الخطاب تحوّلاً واضحاً في رؤية إدارة ترامب الثانية لأميركا اللاتينية. فبدلاً من الاكتفاء بسياسات الاحتواء، والعقوبات الاقتصادية، والدعم غير المباشر لحلفاء محليين، يبدو أن واشنطن انتقلت إلى مقاربة أكثر هجومية، لا تتردد في استهداف رؤساء دول وتهديد حكومات قائمة بذريعة مكافحة المخدرات.

واللافت أن كولومبيا، التي لطالما اعتُبرت حجر الزاوية في الاستراتيجية الأميركية بالمنطقة، تحوّلت فجأة إلى هدف محتمل، ما يشير إلى أن معايير “الحليف” و”الخصم” باتت خاضعة لتعريفات جديدة في العقل السياسي الأميركي.

ولا يمكن فصل التهديدات الموجهة إلى كولومبيا عن العملية التي نُفذت في فنزويلا. فاعتقال مادورو ونقله إلى نيويورك لمحاكمته بتهم تتعلق بتهريب المخدرات شكّل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، إذ جرى التعامل مع رئيس دولة ذات سيادة باعتباره مطلوباً جنائياً، وتم إخراجه بالقوة من بلاده.

وفتحت هذه الخطوة الباب أمام تساؤلات جوهرية حول حدود القانون الدولي، وحول ما إذا كانت الحرب على المخدرات تحولت إلى مظلة فضفاضة تبرر التدخل العسكري وتغيير الأنظمة.

وفي هذا السياق، تبدو كولومبيا امتداداً طبيعياً لهذا النهج. فهي دولة مجاورة لفنزويلا، وتُعد أحد أكبر مراكز إنتاج الكوكايين في العالم، ما يجعلها مادة جاهزة لخطاب أميركي يربط بين الأمن القومي الأميركي ومكافحة المخدرات خارج الحدود. غير أن الفرق الجوهري هذه المرة هو أن الاتهامات لم تُوجَّه إلى جماعات مسلحة أو شبكات إجرامية، بل طالت رأس الدولة مباشرة، في تصعيد غير مسبوق في العلاقات الثنائية.

وسارع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إلى الرد على هذه الاتهامات، رافضاً ما وصفه بالتشهير السياسي الذي لا يستند إلى أي أساس قانوني.

وأكد أن اسمه غير وارد في أي ملفات قضائية مرتبطة بالاتجار بالمخدرات، مطالباً ترامب بالتوقف عن تشويه سمعته. كما انتقد بشدة العملية الأميركية في فنزويلا، معتبراً أنها “اختطاف” يفتقر إلى أي شرعية قانونية، ومحذراً من أن مثل هذه الأفعال تهدد الاستقرار الإقليمي وتفتح الباب أمام منطق القوة على حساب القانون الدولي.

ويعكس هذا التراشق الكلامي توتراً أعمق بين واشنطن وبوغوتا، تراكم منذ بداية الولاية الثانية لترامب، على خلفية خلافات حول ملفات عدة، من بينها سياسات الهجرة، والتعريفات الجمركية، ومقاربة مكافحة المخدرات نفسها.

وبينما تدفع الإدارة الأميركية باتجاه حلول أمنية وعسكرية، تميل الحكومة الكولومبية الحالية إلى مقاربات اجتماعية وتنموية لمعالجة جذور الظاهرة، وهو ما يضع الطرفين على مسارين متباعدين.

لكن الأبعاد الأوسع لهذا التصعيد تتجاوز العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وكولومبيا. فواشنطن، عبر هذا النهج، تعيد هندسة نفوذها في أميركا اللاتينية، مستخدمة مكافحة المخدرات كغطاء سياسي وأخلاقي لتبرير تدخلات مباشرة.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت القارة تراجعاً نسبياً للحضور الأميركي التقليدي، مقابل تنامي أدوار قوى دولية أخرى، ما دفع واشنطن إلى البحث عن أدوات أكثر صلابة لإعادة تثبيت موقعها.

وفي هذا الإطار، تبدو القوة العسكرية والتهديد باستخدامها وسيلة لإعادة رسم الخطوط الحمراء، وإرسال رسالة واضحة إلى دول المنطقة مفادها أن هامش المناورة بات أضيق.

ويقول محللون إن الربط المتكرر بين المخدرات والأمن القومي الأميركي ليس جديداً، لكنه اكتسب في عهد ترامب طابعاً أكثر صدامية. فبدلاً من العمل ضمن أطر متعددة الأطراف أو دعم مؤسسات محلية، يتم اللجوء إلى خطاب شخصي مباشر يستهدف القادة السياسيين، ويضعهم في موضع الاتهام الجنائي.

ولا يعكس هذا التحول فقط أسلوب ترامب السياسي، بل يشير إلى استراتيجية أوسع ترى في الحرب على المخدرات فرصة لإعادة فرض الهيمنة الأميركية، حتى لو أدى ذلك إلى زعزعة استقرار دول حليفة.

وفي المقابل، يثير هذا النهج مخاوف متزايدة داخل أميركا اللاتينية من عودة زمن التدخلات المباشرة، والانقلابات المقنّعة، وتهميش السيادة الوطنية تحت ذرائع أمنية. فالعملية في فنزويلا، ثم التهديدات الموجهة إلى كولومبيا، تشكلان معاً سابقة قد تُغري بتكرار النموذج في دول أخرى مثل كوبا، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار والصدامات الإقليمية.

ويشير مراقبون أنه لا يمكن قراءة تهديدات ترامب لكولومبيا بمعزل عن سياق أوسع يعكس إعادة صياغة شاملة للسياسة الأميركية في أميركا اللاتينية. فالمقاربة الهجومية الجديدة، التي بدأت بفنزويلا وقد تمتد إلى دول أخرى، تقوم على استخدام مكافحة المخدرات كأداة سياسية وعسكرية لإعادة هندسة النفوذ الأميركي في المنطقة.

وبينما ترفع واشنطن شعار حماية أمنها القومي، تجد دول القارة نفسها أمام معادلة صعبة: إما الخضوع لمنطق القوة، أو مواجهة ضغوط قد تتجاوز حدود السياسة إلى ساحات المواجهة المباشرة.