عرب وعالم

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 11:30 ص بتوقيت اليمن ،،،


لا يبدو مقال رئيس تحرير صحيفة الجزيرة السعودية خالد بن حمد المالك، المنشور الاثنين تحت عنوان «أعيدوا الحسابات»، مجرد استعادة لمحطات تاريخية في العلاقات الخليجية، بل يحمل رسائل سياسية غير مباشرة إلى البحرين والكويت، في توقيت تتزايد فيه حساسية التباينات بين العواصم الخليجية إزاء إدارة التهديدات الإقليمية وتحديد أدوار الشركاء في حماية أمن المنطقة.

ويستحضر المالك محطتين أساسيتين في التاريخ الخليجي: دخول القوات السعودية إلى البحرين عام 2011 ضمن قوات درع الجزيرة، والدور الذي اضطلعت به الرياض في حشد التحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991. لكنه لا يكتفي بالتذكير بالوقائع، بل يوظفها لتأكيد أن السعودية تمثل، وفق رؤيته، مركز الثقل الأمني الذي لا تستطيع الدول الخليجية الاستغناء عنه مهما امتلكت من موارد مالية أو إمكانات سياسية.

وتبدو الرسالة أكثر وضوحاً عندما يحذر الكاتب من أن وفرة المال قد تولد شعوراً بالقوة والاستغناء عن الآخرين، وأن بعض القادة قد يتوهمون امتلاك أوراق لا تعكس بالضرورة موازين القوة الفعلية. كما ينتقد الشكوك في نوايا الرياض، ويرفض النظر إلى دورها باعتباره محاولة للهيمنة أو تهميش الشركاء، داعياً إلى التعامل معها بوصفها مصدر حماية وتعضيد.

ولا يذكر المقال البحرين والكويت في عنوانه، لكنه يضعهما في قلب رسالته من خلال استدعاء تجربتيهما التاريخيتين. فالبحرين حاضرة في سياق الحديث عن التدخل السعودي عام 2011، بينما تظهر الكويت بوصفها نموذجاً لدولة ساهمت الرياض في استعادة سيادتها بعد الغزو العراقي. ومن ثم، فإن استحضار المحطتين يبدو أقرب إلى تذكير سياسي بأن أمن الخليج، في التصور الذي يطرحه الكاتب، يقوم على ترابط المصالح وعدم تحويل الاختلافات إلى مسافات بين العواصم.

وتكتسب هذه الرسالة دلالة إضافية عند وضعها إلى جانب تصريحات ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، الذي وجه في 12 أكتوبر الماضي شكراً علنياً إلى الإمارات والرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، مشيداً بمواقف أبوظبي وتضامنها المستمر مع المنامة في أوقات الشدة والرخاء. وجاءت الإشادة خلال افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب البحرينيين، ووصف الملك المواقف الإماراتية بأنها تعكس عمق العلاقات التاريخية وتجسد مبادئ مجلس التعاون.

وأثار إبراز الدور الإماراتي، من دون الإشارة في الكلمة نفسها إلى الدعم السعودي، قراءات لدى معلقين سعوديين رأت في ذلك تجاهلاً لدور الرياض، خصوصاً أن السعودية كانت حاضرة في محطات أمنية مفصلية في تاريخ البحرين الحديث. لكن لا توجد قرينة كافية للجزم بأن الإغفال كان متعمداً أو أنه يعكس تحولاً في موقف القيادة البحرينية من المملكة. كما أن العلاقات بين البلدين شهدت اتصالات وتأكيدات متبادلة على استمرار التنسيق؛ فقد استقبل الملك حمد في سبتمبر رسالة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز تضمنت دعوة للمشاركة في القمة الخليجية الأوروبية، وأشاد بالعلاقات الراسخة والمساعي السعودية لتطوير العمل الخليجي المشترك.

أما الكويت، فتظهر في سياق مختلف، بعدما تداول حساب على منصة إكس يحمل اسم «إيران الآن» منشوراً وصفها بأنها أذكى دولة خليجية، وأشاد بما اعتبره حياداً في التعامل مع الحرب الإقليمية، في مقابل انتقادات لدول خليجية أخرى. وربط المنشور هذا الموقف بوجود قواعد أميركية على الأراضي الكويتية، وبما زعم أنه قرار كويتي بطلب إزالتها بعد تعرضها للاستهداف الإيراني.

غير أن هذا الطرح لا يمثل موقفاً رسمياً إيرانياً، ولا يقدم دليلاً على الادعاءات المتعلقة بطلب الكويت إزالة القواعد الأميركية. كما أن المنشور، وفق النص المتداول، ينتهي قبل استكمال عرضه للإجراءات التي يزعم أن القيادة الكويتية اتخذتها. والأهم أن الموقف الرسمي الكويتي لا يطابق الصورة التي يحاول الحساب تقديمها؛ فقد أكدت السفيرة الكويتية لدى واشنطن الشيخة الزين الصباح في يوليو أن بلادها لم تشارك في عمليات عسكرية ضد إيران، ولم تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية لشن عمليات هجومية، لكنها في الوقت نفسه أدانت الاعتداءات الإيرانية وأكدت تضامنها مع الدول الخليجية المستهدفة.

وفي هذا السياق، تبدو الإشادة الإيرانية بالكويت جزءاً من محاولة توظيف التباينات السياسية داخل الخليج، أكثر من كونها مؤشراً على تقارب استراتيجي أو تحول في السياسة الكويتية. فالكويت التي تتمسك تقليدياً بخفض التصعيد والحفاظ على قنوات الاتصال، لم تتخل عن إدانة الاعتداءات التي طالت جيرانها، كما أن مجلس التعاون أكد في بياناته تضامن الدول الأعضاء مع البحرين والكويت في مواجهة الهجمات الإيرانية.

وتكشف هذه المؤشرات عن حساسية متزايدة بشأن كيفية توزيع الأدوار والاعتراف بها داخل المنظومة الخليجية. فالسعودية تريد تثبيت موقعها بوصفها ثقلاً أمنياً وسياسياً رئيسياً، بينما تحرص الدول الأخرى على الاحتفاظ بهامش من الاستقلال في قراراتها وعلاقاتها الخارجية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الابتعاد عن الرياض أو التخلي عن التضامن الخليجي.

وبين الرسائل الصحفية السعودية والإشادات المتبادلة والقراءات الإيرانية، تبدو المعادلة الخليجية أمام اختبار يتجاوز الخلافات الظرفية إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية الجمع بين استقلال القرار الوطني ومتطلبات الأمن الجماعي. فالتحدي لا يكمن في تحديد الدولة التي تستحق الشكر أو الاعتراف الأكبر، بل في منع التنافس على الأدوار من التحول إلى خلافات تضعف قدرة دول المجلس على مواجهة التهديدات المشتركة.