كتابات وآراء


الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 01:20 م

كُتب بواسطة : ياسر اليافعي - ارشيف الكاتب




منذ الستينيات القرن الماضي، اعتمدت السعودية في الشمال على استراتيجية تقوم على احتواء شيوخ القبائل والشخصيات السياسية والمؤثرة، عبر شبكة واسعة من العلاقات والدعم المالي، بهدف إبقاء خيوط المعادلة السياسية بيدها والحفاظ على نفوذها في القرار اليمني.

لكن هذه الاستراتيجية تلقت ضربة قاسية في 2014، حين سيطر الحوثي على صنعاء وتهاوت القوى التي راهنت عليها الرياض، جميع القوى الدينية والسياسية والعسكرية والقبلية، والحزبية، لتجد السعودية نفسها أمام واقع جديد: الحوثي، الحليف لإيران، أصبح القوة المهيمنة في معظم الشمال.

كان المفترض أن تكون تجربة الشمال درساً، وأن تتعامل السعودية مع الجنوب بعد تحريره بطريقة مختلفة، تقوم على دعم بناء مؤسسات وقوة سياسية وعسكرية جنوبية متماسكة، بدلاً من إعادة إنتاج سياسة استقطاب المكونات والشخصيات والقبائل كلٌ على حدة.
لكن، ما حدث هو إعادة إنتاج النهج نفسه بأدوات مختلفة: استقطاب مكونات وشخصيات قبلية وسياسية وإعلامية، واستخدام النفوذ والمال والضغط لإعادة تشكيل المشهد الجنوبي، وان كان باستخدام القوة المميتة والاحتجاز والاكراه كما حدث في يناير 2026 وما تلاه من احتجاز والوفد واجبارهم على حل المجلس الانتقالي الجنوبي.

والسؤال اليوم: هل أنتجت هذه السياسة جنوباً أكثر قوة واستقراراً؟
الواقع السياسي على الأرض، يقول العكس؛ فقد اتسعت الخلافات السياسية وتصاعد الغضب تجاه السياسة السعودية. ومع ذلك، فإن حالة التماسك الاجتماعي الجنوبي لم تتفكك بالقدر نفسه، وهو ما اكدته الحشود والمليونيات التي شهدها الجنوب منذ يناير والرافضة للوصاية السعودية.

هذه الاستراتيجية مكلفة تقوم على توزيع النفوذ واستقطاب الشخصيات والمكونات قد تحقق نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تضمن بناء حليف قوي ومستقر.

والأهم بالنسبة للسعودية أن تجربة الشمال تستحق المراجعة لأن النفوذ القائم على الأشخاص وشبكات المصالح قد يتغير بتغير موازين القوى، بينما العلاقة القائمة على مؤسسات مستقرة وشراكة سياسية واضحة أكثر قابلية للاستمرار.

ويبقى السؤال الأهم: لماذا لا تزال السعودية تراهن على أن المال قادر على تغيير المعادلة السياسية والعسكرية في اليمن، رغم أن هذه السياسة لم تحقق النتائج التي كانت تُرجى منها في الشمال، واليوم تواجه تحديات مماثلة في الجنوب؟

ولماذا الإصرار على إعادة إنتاج التجربة نفسها، بينما يتحمل المواطن في الشمال والجنوب كلفتها، ويدفع ثمن صراعات النفوذ والتجاذبات السياسية من أمنه واستقراره ومعيشته ومستقبله؟
استقرار جنوب اليمن ليس مصلحة جنوبية فقط، بل يمثل مصلحة استراتيجية للسعودية والمنطقة بأكملها، بالنظر إلى موقع الجنوب على خليج عدن وباب المندب وبحر العرب، وأهمية هذه الممرات للأمن الإقليمي والتجارة والملاحة الدولية.

لكن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بشراء الولاءات، ولا باستقطاب المكونات والشخصيات كلٌ على حدة، ولا بتصدير شخصيات هامشية إلى واجهة المشهد على حساب الكفاءات والكوادر والشخصيات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تمتلك حضوراً وتجربة وقاعدة حقيقية على الأرض.
الدول لا تبني حلفاءها بالمال وحده، بل ببناء شراكات قائمة على المصالح والاحترام والثقة والمؤسسات. والحليف القوي والمستقر أكثر فائدة لأمن السعودية من ساحة ضعيفة ومجزأة تتصارع داخلها عشرات المكونات ومراكز النفوذ.

لذلك فإن استقرار الجنوب وتماسك مؤسساته وقواه السياسية والعسكرية يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من منظومة أمن المنطقة، لا تهديداً لها، وبداية حل حقيقي للأزمة اليمنية.

فالأموال تستطيع شراء ولاءات مؤقتة، لكنها لا تستطيع شراء مجتمع، ولا صناعة قضية، ولا تغيير هوية شعب أو إرادته السياسية.

وبعد كل ما جرى في الشمال والجنوب، يبقى السؤال: كم يجب أن تكون كلفة التجربة حتى تتم مراجعة هذه السياسة؟

#ياسر_اليافعي